' rel='stylesheet' type='text/css'>

أحرف برايل لا تحصننا من الأدب الرديء

أحرف برايل لا تحصننا من الأدب الرديء
سيد مكاوي والشيخ إمام وطه حسين وبورخيس مبدعون يقيمون فنيا فقط

الكتاب المكفوفون.. هل يمكن الحديث عن أدب مبصر وأدب ضرير.


صوت العرب :

يندفع بعضهم أحيانا في تقييمات غير فنية ولا فكرية ولا جمالية في تناولهم للإبداع الأدبي أو الفني، وينطلقون من معطيات اجتماعية أو سياسية أو أيديولوجية وحتى خُلُقية لتقييم عمل أي مبدع. ومن ذلك مثلا التقييم الجائر الذي يصنف العمل وفق الحالة الجسدية لصاحبه، مثل تصنيف يجانب الصواب تحت عنوان أدب المكفوفين، وهو ما يبدو نوعا من التمييز.

ليس من الوجاهة ولا من المنطق – طبعا – أن تُصنف الآداب والفنون وفق الهيئة الصحية لأصحابها، كأن نتحدث عن أدب وموسيقى المكفوفين مثلا، ونتحدث عن خصائص إنتاجهم الإبداعي خارج المعايير النقدية السائدة في نوع من الانتقائية التي لا تؤيدها الضوابط المهنية ولا الأخلاقية.

هذه مقدمة كان لا بد منها للولوج في عالم الأدب الذي كتبه أعلام فقدوا النظر وتركت مؤلفاتهم آثارا وانطباعات مؤثرة، بل مدوية، على مدى تاريخ الإنسانية، لكن السؤال الذي يحضر بقوة هو: هل يمكن فصل ما أنتجه هؤلاء عن إعاقتهم الجسدية المتمثلة في فقدان البصر أم أن لهذه الإعاقة دورا بارزا في علو شأن ما تركوه من أصناف إبداعية؟

تقييم عنصري

الأمر بالتأكيد في عهدة أخصائيي التحليل النفسي وغيرهم من الذين يؤكدون على أن فقدان حاسة من الحواس يحرّض صاحبه على نوع من التحدي المتمثل في إثبات قدرات يعجز عنها الأصحاء، لكن الموضوع أعقد من ذلك بكثير.

الإعاقة البصرية شأن خلقي جسدي ولا دخل لها بنبوغ صاحبها، وإلا اعتبرنا مدارس المكفوفين أكاديميات فنية وأدبية

وفي هذا الصدد قام الباحث السوري سليمان حسين بدراسة حملت عنوان “الشعر المبصر في سيكولوجية الصورة الشعرية” وتناول فيها تجارب ثلاثة شعراء عرب مكفوفين وهم أبوالعلاء المعري، بشار بن برد ومن العصر الحديث تجربة الشاعر اليمني عبدالله البردوني.

تساءل الباحث في البداية إن كان من الظلم أن نوعز موهبة كل شاعر من هؤلاء إلى إعاقته البصرية، على الرغم من تأثيرها النفسي، ونغفل عن المصادر الثقافية والفكرية والأيديولوجية لكل واحد على انفراد، بالإضافة إلى طبيعة العصر الاجتماعية والسياسية، والفروق الحضارية بين الشعراء الثلاثة، دون إغفال عامل الإعاقة البصرية ومدى تأثيرها كعامل مشترك بين هؤلاء.

وبالعودة إلى الإعاقة البصرية وعلاقتها بالكتابة والقراءة، فإن العالم لم يحقق فتوحات علمية كبيرة في هذا الشأن. ولم يحسم الأسئلة الأولى التي تثيرها كتابات المكفوفين من هوميروس الشاعر الإغريقي الذي عاش في القرن السابع الميلادي، مرورا ببورخيس الأرجنتيني وطه حسين المصري، وعصرنا الراهن الذي أحيا منذ أيام قليلة ذكرى طريقة برايل، كنظام للكتابة والقراءة خاص بالمكفوفين وضعاف البصر، يقوم على تجسيد الحروف على ورق خاص بنقاط ناتئة أو مقعرة يُمكن تحسسها باللمس.

صفوة القول إن أبرز ما يجمع ويوحد الكتاب المكفوفين هو فقدان البصر، ولا شيء آخر، عدا ما يمكن أن يميز هذه الفئة كالانكفاء للتأمل والاستماع أي أن ما ينتجه كل فرد من إبداع لا يشبه ما انفرد به زميله سواء كان مبصرا أم ضريرا.

لا فضل ولا دخل للإعاقة البصرية في تميز مبدع عن الآخر. وإذا أخذناها على هذا المحمل فإننا نكون قد سقطنا في مطب التمييز على الجهتين، وعاملنا الأديب المكفوف على أنه من “ذوي الاحتياجات الخاصة”، وهو تصنيف يخص الدوائر الاجتماعية المتخصصة وحدها في المجالات العمومية وليس في مضمار الفنون والآداب.

إنه لمن المعيب والمخجل أن نربط تميز أثر إبداعي بإعاقة صاحبه أو أن نتعامل معه كـ”مجهود يُشكر عليه” على سبيل التشجيع والأخذ بالخاطر. وهنا نسقط في معضلة أخلاقية مقابل ورطة تقييمية تجعل الإبداع الفني ضحية في كلتا الحالتين.

هي إساءة مضاعفة ترتكبها بعض الأوساط النقدية في ربط الأثر الإبداعي بهيئة صاحبه، وتجعل من النقد شكلا من أشكال “التمييز الإيجابي” كأن نثني على أدب طه حسين وفكر المعري وشعر بورخيس وأدب هيلين كيلر الأميركية التي كانت كفيفة وصماء لمجرد أن هؤلاء مكفوفون.

وفي هذه الحالة نكون قد جانبنا الصواب وتصرفنا كما كان يتصرف خصومهم من ذوي التفكير الظلامي والتقييم العنصري.

نزوعات غير فنية

☚ أبرز ما يجمع ويوحد الكتاب المكفوفين هو فقدان البصر، ولا شيء آخر، عدا الانكفاء للتأمل والاستماع

 أمثلة كثيرة راجت في تاريخ الأدب العربي حول تقزيم كتاب والحط من شأنهم معيّرين إياهم بإعاقتهم البصرية لمجرد أنهم لم يتفقوا معهم لأسباب فكرية، كما حصل مع طه حسين في محنته مع الأزهر واتهامه بالإلحاد في أربعينات وخمسينات القرن الماضي، مما يذكر بفاحشة “داعش” التنظيم الذي أقدم مقاتلوه على قطع رأس تمثال المعري في مدينة معرة النعمان السورية.

أما الشاعر بشار بن برد الذي عاش في أواخر العصر العباسي، فإنه لم يلق الحظوة التي نالها أبوالعلاء المعري، وذلك لأسباب مختلفة تتعلق بكونه لا ينتمي إلى العرق الذي يستعمل لغته وفنه على الرغم من انفتاحه على التراث والفكر العربيين.

ما يمكن قوله هو إن الإعاقة البصرية شأن خلقي جسدي ولا دخل لها بنبوغ صاحبها، وإلا اعتبرنا مدارس المكفوفين أكاديميات فنية وأدبية. يستوقفنا هذا الأمر بشدة حينما نقرأ مصنفات أدبية ونقدية أو مقالات صحافية عما يسمونه بـ”أدب المكفوفين” وكأن هؤلاء جنس أدبي وثقافي مستقل بذاته.

يحدث هذا كذلك في عالم الموسيقى والغناء لمجرد حصول تشابه بين طرق عزف وتلحين أشخاص مثل سيد مكاوي والشيخ إمام وعمار شريعي، في حين أن المتخصصين ينفون ذلك ويربطونه بمدرسة فنية ذوقية وليس للاشتراك في نفس الإعاقة البصرية.

أخيرا، وإزاء هذا المنطق الأعوج، هل يمكن لنا أن نعتبر كفيفا رساما تشكيليا وهو فاقد البصر أمام فن بصري بامتياز.

قدرات الإنسان الإبداعية لا حدود لها، وبصرف النظر عن ذوي الاحتياجات الخاصة، فلا ينبغي خلط المشاعر وتطويع النظرة النقدية في اتجاه نزعات غير فنية.


حكيم مرزوقي

كاتب تونسي

 


العرب

Translate » ترجم الموقع لأي لغة في العالم
%d مدونون معجبون بهذه: