⁠⁠⁠شعب جيولوجيّ .. – صوت العرب
الرئيسية / أُخَرُ الأَخْبَار / ⁠⁠⁠شعب جيولوجيّ ..

⁠⁠⁠شعب جيولوجيّ ..

باسل الرفايعةباسل الرفايعة

آلافُ الصناديق من الذهب العثماني تاهت في الأراضي الأردنية، بعد هزيمة الأتراك الذين فرّوا في 1916، ودفنوا ذهبهم، تاركين خرائطَ وعلاماتٍ، لا يزال الأردنيون يتتبعونها. كذلك فَعلَ الأدوميون، والبابليون، والآشوريون، والإغريق والرومان، وغيرهم. لكنهم كانوا أكثرَ ذكاءً من الأتراك، فذبحوا وحوشاً كاسرة، وثعابينَ مُرعبة، ومع السحر، والتعاويذ، تحوّلَ ذلكَ إلى ‘رَصَدٍ’ في الكهوف، يحتاجُ إلى فتح ‘المَنْدَل’ ومساعدة الجنّ. رأى كثيرٌ من الأردنيين في أحلامه مغارةً مكدّسةً بالذهب. ثمةَ من قالّ إنّ وليّاً زارهُ في المنام، وأخبرهُ أنّ كنزاً تحت عتبة البيت. آخرُ عثر على ‘أفعى’ نقشها راعٍ ضَجِرٌ على صخرة، فظنّ أنها دليلٌ على مال قارون.

ويُردّدُ الناس أنّ طائراتٍ مروحية هبطت عند قلعة عجلون، وحملت عدداً لا يُصدّقُ من الصناديق، ثم اكتشفنا أنّ هرقل نفسه خَزنَ ذهباً في بلادنا.

نشطت تجارةُ تهريب أجهزة الكشف على الذهب، التي يستخدمها حرّاسُ الشواطئ في أوروبا واليابان في البحث عن خاتم أو قرط، فقدتهُ امرأة، وهي تتشمّسُ على الرمال. كما كثر المشعوذون، وتعرضَ كثيرون إلى احتيال، وإفلاس.

الصدفةُ خدمت رواجَ هذه الخرافات. فقد عثر قليلون على ذهبٍ تركي، وقطع نقديّة، من العصور القديمة، بينما استمرّ منقّبو دائرة الآثار في اكتشافاتهم الرائعة عن شواهد الحضارات الغابرة الموجودة في بلادنا، ولم يعثروا على أكوامٍ من الذهب، ولا على وحوشٍ كاسرة.

مثلُ هذا الخيال المنسوج من اليأس والفقر، يُشبهُ اليقينَ الأردنيَّ عن وجود النفط بكميّات وافرة، تجعلنا عضواً فاعلاً في ‘أوبك’. ولكنّ الحكومةّ وضعت عليه ‘رَصَداً’ لا يُفكُّ، ولن تستخرجه، تنفيذاً لإملاءات إسرائيلية وغربية، لا تريدنا بلداً ثريّاً، وتُكرّسُ تبعيتنا للمنح والمساعدات والهَوان.

فقدانُ الثقة في الحكومات جعلَ الأردنيين لا يُصدّقون أنّ النفطّ غير موجود، بكميات تجارية، ودفعهم للتساؤل عن الدول النفطية التي تحيطنا، وعن الفساد في العطاءات مع عشرات الشركات الأجنبية المُنقّبة عن البترول، وعن إغلاق آبارٍ، تدفّق منها النفط بغزارة، وتلقفنا تصريحاتٍ لخبراء عرب بأنّ في أرضنا من النفط ما يكفي لمئة سنة قادمة، بحيث تحولنا إلى ‘شعبٍ جيولوجيّ’ واثقٍ بمعلوماته.

الأدلةُ مؤكدةٌ على أنّ الأردن يمتلكُ احتياطيّا ضخماً من الصخر الزيتي، ما يضعه ثانياً، بعد كندا. وهناك شركتان عالميتان تعملان حالياً، ومن المتوقع أنْ نقطفَ أولى الثمار في 2020. لكنْ، لا دليلَ على أنّ الذهبَ الأسودَ مدفونٌ بكميّات هائلة في أعماق صحارينا وبحرنا الميّت، وليسَ من مصلحة الدولة أنْ تدعه في جوف الأرض، بعد خسارة مئات الملايين في التنقيب عنه. وكلنا يعرفُ تفاصيلَ الأزمة الاقتصادية التي نعيشها، فالبلادُ تستدينُ لتأكلّ، ولتدفعَ رواتبَ الموظفين، وفاتورةَ الطاقة، ولذلك مخاطرُ سياسيةٌ وأمنية لا تنتهي.. ومن الانتحار أنْ تكونَ ‘كالعيسِ في البيداء يقتلها الظمأ.. والماءُ فوقَ ظهورها محمولُ’..

تعليقات من فيسبوك

Comments

comments

شاهد أيضاً

كاتب أميركي يكشف كواليس لقائه بوليّ العهد السعودي أثناء خطاب ترامب عن القدس ورد فعله على القرار

تُعَد السعودية مكاناً جيداً للحكم على التأثير الذي أحدثه اعتراف الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالقدس …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *