من الندوات النقدية في مهرجان القاهرة للمسرح العربي 2019 عن مسرحية «المجنون» لـ محمد العامري من الإمارات...في لزوم ما لا يلزم .. - صوت العرب اونلاين ' rel='stylesheet' type='text/css'>
المتواجدون حالياً على الموقع


الرئيسية / أُخَرُ الأَخْبَار / من الندوات النقدية في مهرجان القاهرة للمسرح العربي 2019 عن مسرحية «المجنون» لـ محمد العامري من الإمارات…في لزوم ما لا يلزم ..

من الندوات النقدية في مهرجان القاهرة للمسرح العربي 2019 عن مسرحية «المجنون» لـ محمد العامري من الإمارات…في لزوم ما لا يلزم ..

*لطفي العربي السنوسي : صوت العرب – تونس

يضعنا المخرج المسرحي محمد العامري نحن كمتلقين في مأزق تلق حقيقي في عرض اختار التحرك على أرض وعرة و سحيقة فيما جاهرت به من اسئلة في علاقة جوهرية بنص فريد وفي علاقة جوهرية أيضا بطبيعة «العمارة المسرحية» وبجوهر المسرح وإمكاناته وحدوده بل إن هذا العرض إنما يعيدنا إلى سؤال أساسي حول مهام المخرج ووظيفة السينوغراف حين تعاطيه مع النصوص الكبرى ـ تلك التي تنحت المعاني من صميم السؤال الفلسفي بما هو إعادة ترتيب يواجه كل ما نعتقد أنه حقيقة مطلقة وكل ما نتصور أنه بديهي.

جرأة المخرج السينوغراف محمد العامري أنه تعاطى هنا مع نص عنيد وعميق فيه تشابك بين الأدب والفلسفة والشعر ومسحة صوفية يتردد صداها على امتداد النص الجبراني.

مدخل في اتجاه النص

نحن أمام نص شاهق بمبنى صلب يتحرك بين الأرض والسماء وأمام معنى عميق يتجول في التاريخ والجغرافيا… في الأدب وفي الفلسفة وفي الشعر وفيما تقدم وفيما تأخر من رواية الإنسان في شقائه الأبدي على حد تعبير محمود المسعدي وكما جاء على لسان بطله أبو هريرة.

النص أعدّه الراحل قاسم محمد الذي أمسك «بمجنون» جبران ودفعه إلى الخشبة تماما كما في النص الجبراني المؤسس وألبسه لبوس الكائن المتعالي والمختلف لكأنه نبيّ وما هو بنبيّ ـ لكأنه إلاه وما هو بالاه ـ لكأنه ملاك وما هو بملاك ـ لكأنه ساحر وما هو بساحر.

هو ـ هنا ـ العقل الخالص في منتهاه أو بالأحرى نحن أمام «ذات بشرية مفرطة في انسانيتها» كما تحدث عنها نيتشه في بحثه عن «الانسان الكامل» حيث العقل الخالص أو النقي… «عقل» مختلف في مستوى الفهم والتفكير لا يؤمن بالسائد والمتكرر… ولا يتردد في هدم كل ما يعتقد الناس أنه قدرهم المنذرون إليه… عقل مغامر لا يستكين أبدا يسعى إلى الامساك بما «وراء العرش» ولا يناله أبدا.

ثمة حقيقة ما ضيّعها البشر في رحلتهم الابدية حقيقة كالجمر لا أحد يدركها وإن أدركها احترق… هي المعرفة منتهى المعرفة… منتهى الوجود البشري هي الموت كحقيقة والحياة كحقيقة .. والله مطلقا…

كم يلزمنا من نبي حتى نتكلم مع السماء وكم يلزمنا من نبي حتى نفهم هل كنا هناك قبل أن نكون هنا؟ وكم من حياة عشناها حتى نصل إلى هذا البدء أو إلى هذا المنتهى…؟

تركض اسئلة جبران مع «العاصفة» بحثا عن الإنسان الكامل كما في فلسفة نيتشه تركض ولا تصل ابدا … وبما أنه لا انبياء بيننا فقد اصطفى «المجنون» ودفع به إلى محرقة الاسئلة المتعلقة بالكون والوجود الظاهر والباطن…الحق والباطل … الجهل والمعرفة… الظلم والعدل… القبح والجمال… الظلمة والنور… الخير والشر… السواد والبياض… التمرد والرضوخ.

«أنا رب نفسي يصرخ المجنون» في إعلاء العقل البشري… لا شرائع ولا تقاليد ولا أخلاق ولا ملائكة ولا شياطين ولا أنبياء «أنا رب نفسي تميد الأرض تحت قدمي وأقف فتقف معي الكواكب والنجوم» نحن هنا أمام لحظة تأصيل لكيان حرّ وأمام فلسفة تؤكد على «العقل» كملاذ وحيد للخلاص من الشقاء.

النص الذي أعدّه الراحل قاسم محمد أمسك بمجنون جبران ودفع به إلى علو شاهق بما يسمح له بالتجوال عميقا وسط مناخات النص الأصلي ويتكون من شذرات نصية تشبه إلى حد بعيد شذرات «طاغور» في حكمتها وشذرات نيتشه في عمقها وهي تنزع أحيانا نحو اسلوب قصيدة «الهايكو» في كثافتها وسرعتها البرقية و«مجنون» جبران كما التقطه الراحل قاسم محمد هو ذاك الكائن الذي أختار المشي وحيدا في طريق النجاة وقد أعلن ثورة العقل على كل ما هو متكرر وبليد فهو المتمرد على الجهل والتطرف والحقد هو ذاك الباحث عن الصفاء في عمقه الإنساني.. فالشرّ ـ هنا ـ هو الخير وقد تعفّن.. فـ«مجنون» جبران في الأخير هو العقل في منتهاه وهو الحكمة والبلاغة وهو «النبي المجهول» الذي يتكلم مع السماء ويخاطب الذات الإلاهية ـ وهو «المسيح» حينما يصرخ «أريد أن أمشي على البحر وحدي.. هو في النهاية المختلف ـ تماما ـ والمدرك ـ تماما لما وراء الاقنعة والحجب من كذب وزيف… هو «مجنون» يختفي وراء «عقله» الساخر والناقد لرجال الدين والسياسة واستبداد الأنظمة الشمولية التي استعبدت شعوبها وهي هنا أو هناك على مقربة منا.. لذلك لا بدّ من إنهائه بمحاكمته حتى لا يتكاثر فيصرخ صرخته تلك: «سيكون لي أبناء من ضوء وظل وأحفاد من تراب وهواء سيرتدّون بينكم سيكبرون مع الأشجار والحقول والظنون والقدم»..

الراحل قاسم محمد أعدّ نصه دون أن يستبدل نصّ جبران وأقوال «مجنونه» بل هو قدّم التقاطات عاشقة ومندهشة بالنصّ الأصلي فلم يمسسه بل أعدّه ـ تماما… رتّبه واصطفى منه مواقع قوته وحوّل شذراته الى نصّ للعرض المسرحي.

نحن أمام حالة «جنونية» معزولة عن عالم العقل وهي في العمق أحد تجليات «العقل» حين يشقى.

في اتجاه العرض وسردياته البصرية

أمام نصّ بهذا العمق وعلى هذا «الجنون» كان لا بدّ من مخرج وسينوغرافيا «مغامر» لقد فعلها قبل ذلك توفيق الجبالي في مسرحية «المجنون» إنتاج مسرح التياترو الذي قدم سردا بصريا أثار جدلا نقديا كبيرا أجاب عنه توفيق الجبالي من داخل العرض ذاته وعبر صوت لا نرى مصدره كان يردد باستمرار «لكم فكرتكم ولي فكرتي».. وقد اعتمد الجبالي في هذا العمل على «كوريغرافيين» كمحامل جسدية «اقتصدت» في الكلام وحولته الى صور وظلال..

وبما أن «مجنون» جبران كان «عميقا» في مواجهة البلادة البشرية وكل ما هو تقليدي متكرر فقد اختار محمد العامري المخرج والسينغراف أن يكون مجنونا ـ بدوره ـ ومغامرا فهدم بناية المسرح التقليدية بعلبتها الايطالية المملّة واختار الدائرة كفضاء للعرض واقتحم بها فضاء المتقبل أو اقترب منه والتصق به لتوريط الجمهور في «عقل المجنون» ولفهم «جنونه» وكيف أصابه الجنون سؤال تستحيل الاجابة عنه ما لم يتمّ الاقتراب من «عقل» المجنون الذي ضيّع أقنعته السبع أو بالأحرى فضائله السبع.. السبع المقدسة كما في دلالتها المسيحية الكاثوليكية التي ينتمي إليها جبران ..لذلك جنّ فكانت رحلته مع «العقل الشقي..».

لقد تحوّل الجمهور الى شهود عيان في مواجهة ما يحدث داخل الدائرة.. نحن هنا وسط محكمة تفتيش وقد استفردت بـ«عقل مجنون» مربك لسلامتها.. نحن ـ هنا ـ في محكمة حقيقية تفتش في النوايا…

قبل الذهاب إلى السردية البصرية التي اقترحها المخرج و السينوغراف محمد العامري لا بدّ ـ هنا ـ من العودة إلى سؤال البدء حين أشرنا بأنّ العرض إنما يجاهر بأسئلة المسرح الحقيقية و أسئلة أساسية حول مهام المخرج السينوغراف بل هو يعيدنا الى ذاك السؤال الملتبس ما «السينوغرافيا»؟ هل هي تفسير لنصّ العرض وترجمة له..؟ هل هي مقترح بصري على حدة معزول تماما عن النصّ..؟ هل هي مجرد وسيط بصري لتلوين النص وتفسيره..؟ هل هي مجرد تحريك مجموعة من الكتل داخل فضاء العرض..؟ هل هي مجرد تحديدات بصرية لمكان العرض وزمنه..؟ ما هي وظائفها تحديدا..؟

أسئلة تداولتها ـ في الواقع ـ عديد الندوات.. الفكرية والدراسات المختصة ورغم ذلك ما تزال ملتبسة وغير دقيقة… ولئن كان المجال ـ هنا ـ لا يسمح بالاستفاضة فإننا نؤكد على أن السينوغرافيا بما هي سردية بصرية إنما تتأسس ـ جوهريا ـ في تشابك مباشر مع السردية النصية فهي القادح والمنتج لعمل السينوغرافي وقراءته البصرية (ونحن هنا أمام عمل. يتداخل فيه الدوران فالمخرج هو ذاته السينوغراف) وبالتالي نحن نتحدث عن «المايسترو» الذي أعدّ القراءة البصرية والتي من المفترض أن تكون نتاج اشتغال على النص ومواقع قوته ومفرداته باعتبارها المصدر الأساسي المنتج لكل مفردات السينوغرافيا وهي لا تستثني ـ هنا ـ الممثل كمفردة أو كبؤرة أساسية تصنع في الأخير سينوغرافيا العرض بكل كتله وهي كما نظّر لها مجددو القرن العشرين وبحسب «باتريس بافيس» هي إضفاء مسحة تشكيلية داخل فضاء العرض وهي التي تمنح المعنى لهذا الفضاء أي أنها ليست مجرّد زخرفة وتلوينات ضوئية لملء الفراغات بل هي فن تنسيق الفضاء كما جاء في توصيف دقيق لفاضل خليل بما يحقق الدهشة على امتداد العرض… و مقتل الدهشة يتجلى في تكرار مفردات السينوغرافيا.

فماذا فعل محمد العامري بمتلقيه…

اقترب العامري من الجمهور واحاطه بعرضه الدائري وأطلق استعراضه البصري شاسعا في مسعى ـ غير خاف ـ للتفوق على النص ومنافسته فالبطولة المطلقة ـ هنا ـ للنص الذي اعدّه قاسم محمد ومرجعه النص المؤسس لجبران ومحمد العامري يدرك ذلك جيدا أو هو أدرك ـ منذ البدء ـ أن سلطة النص مطلقة داخل فضاء العرض… وان دوره سيكون ثانويا أي مجرّد وسيط بين النص والجمهور فطرح على نفسه سؤالا مأزقيا.. كيف يمكن التفوق على نص بهذا العمق الإنساني وبهذا الخطاب الفريد؟

فاختار الذهاب وحيدا متعاليا حيث اللغة البصرية فوقية مركزة تركيزا كاملا على ذاتها…
لقد وقع محمد العامري في «الدائرة» بما تعنيه من تكرّر ومعاودة للعناصر السينوغرافيا وقد اكتظ بها الفضاء الى حدّ الاختناق… تكرّر قتل دهشة المتلقي فتحوّلت السينوغرافيا مع مرور زمن العرض الى مرافق بصري لسرديات النص تفسره وتصفه وتلوّن مواقع قوّته بما يشبه «التبئير» للمواقع الأكثر درامية داخل النصّ.

سعى محمد العامري الى تقديم قراءة بصرية استبدالية للنص فاستحوذ على الدائرة لإبراز تفوق لغته فوقع وسط استعراض شكلاني مكتف ـ تماما ـ بمفرداته السينوغرافيا والتي نحسّها ـ أحيانا ـ معزولة بلا وظيفة غير الوظيفة الوصفية … لقد اشتغل العامري من أجل نفسه بمحاولته فرض سلطته المطلقة ـ كمخرج وكسينوغرافي ـ على العرض فبالغ في استعمال مفردات مقترحة البصري الذي جاء ـ في أكثر من موقع ـ تلوينا للنص يفسّره أو يكرّره في قراءة شكلانية جاهرت بنوايا المخرج الذي استعمل ما بين يديه من إمكانات تقنية وتكنولوجية لا من أجل إيصال معاني النص للمتلقي وانما من أجل نفسه ـ كما أشرنا ـ لتحقيق رغبته تلك… وحتى يستحوذ على المناطق التي افتكها النص الجبراني كما اعدّه قاسم محمد والواقع ان محمد العامري قد أبان ـ هنا ـ عن امكانات عالية وجديّة في تعاطيه مع فضاء العرض تحوّلت ـ للأسف ـ الى عائق معطل لذاك الخيط الرهيف بين العرض ومتلقيه هذا المتلقي الذي أقصاه العامري وحوّله الى متلق سلبي خنق إمكانات التخييل لديه ولم يترك له المجال للذهاب بالنص ومقولاته الى مناطق فهم تعطي للمشهد ـ عامة ـ أفقا تأويليا أرحب…

والطريف في مسرح العامري ان الممثل وهو مختنق بالاكتظاظ داخل الدائرة قد أدرك ما في نفس المخرج من «نوايا» لتقديم قراءة بصرية متفوقة والاستحواذ على فضاء العرض فانخرط ـ بدوره ـ أي الممثل في هذه اللعبة بمحاولته افتكاك فضائه الخاص أي فضاء اللعب فما الذي حصل؟

ممثل بأداء نمطي كلاسيكي مفخّم نجح ـ فقط ـ في الاستحواذ على الفضاء الصوتي داخل المشهد… أي «صوت بلا جسد» وهذه معضلة كبرى حولت العرض المسرحي برمته إلى «عرض صوتي» (Radio phonique) بحيث يمكن للمتلقي ان يغمض عينيه وان يكتفي بحاسة السمع لكأنه أمام رواية إذاعية…
والأكثر طرافة ونحن نتحدث عن منافسة غير متوازنة كدنا نراها بين النص والمخرج والممثلين فإن منفذ «الماكياج» قد انخرط بدوره في هذه المنافسة.

فالتشوهات على جسد «المجنون» بحثت بدورها عن لحظة تفوق وبطولة ما… وقد لفتت الانتباه ـ بالفعل ـ لما جاءت عليه من مبالغات شوّهت تشوهات المعاني الكامنة في النص وابتذلته وقد فقدت دهشة تلقيها الأول بحيث تصبح بعد ذلك مجرّد تلوينات مكرّرة وفجّة على جسد نحن نعلم أنه مشوّه في العمق بحيث تتحول الدلالة الى دلالة مريحة وقد فقدت غوايتها..

فماذا فعل محمد العامري بمتلقيه وهل نجا بنفسه كمخرج وكسينوغراف…؟ وهل حقق تفوقه وهو المدفوع برغبة جامحة ومجنونة للاستحواذ على العرض.

لقد ركب محمد العامري ظهر العاصفة كـ«مجنون» جبران ومضى في طريقه وحيدا في مغامرة بصرية استعراضية عبّأها بما يلزم وبما لا يلزم…

*ناقد واعلامي من تونس

تتطلب عرض الشرائح هذه للجافا سكريبت.

شاهد أيضاً

مصر توجه تحذيرا لمواطنيها في قطر

القاهرة – صوت العرب – حذرت وزارة القوى العاملة في مصر، العمالة المصرية في قطر، …

تابعوا اخر الأخبار على صوت العرب

Translate » ترجم الموقع لأي لغة في العالم