ملحم بركات: "ومشيت بطريقي" - صوت العرب
المتواجدون حالياً على الموقع


الرئيسية / أحداث العالم بالصور / ملحم بركات: “ومشيت بطريقي”

ملحم بركات: “ومشيت بطريقي”

صوت العرب – متابعات 

“ومشيت بطريقي حكمني الزمان… لا قلبي سابقني ولا أنا هربان… طريقي بعيني طريقي مكتوب عليّ… أنا صرت البكرا أنا… مش أنا اللي كان”. كأن في التاريخ الموسيقي لكل فنان كبير أغنية يتركها ليحكي بها عن رحيله. نستحضرها لتكون خير معين في اختصار هذا الرحيل ووقعه والأثر الباقي منه بعد ذلك. هذه كانت كلمات الموسيقار اللبناني ملحم بركات الذي فارق الحياة اليوم بعد صراع قاس مع مرض السرطان.

71 عاماً عاشها بركات الذي كان يُعرف بـ”الموسيقار”، قضى معظمها في التلحين والغناء. ترك خلفه حوالي 13 ألبوماً وأكثر من مئة أغنية، وعدداً من المسرحيات والأفلام، التي تشاركها مع كبار الفنانين، ودخلت قلوب من سمعوه في لبنان والمنطقة. ولم يخجل وهو في خضم هذا العطاء والتأثير أن يخاطب الشمس قائلاً “يا ليل انجلي عتمك مش إلي… ويا شمس اغزلي اسمي على براجك ما ينساه النسيان…”.

من بعدك لمين؟

كثيرة كانت المناسبات التي تحدّث فيها بركات، أو “أبو مجد”، عن الرحيل أو غنّى له. غنّى لوالدته بعد وفاتها “بوعدك يا كبيرة هاك الدار”، وخصّ ابن شقيقته الذي توفي عن ثمانية عشر عاماً بأغنية “عهد الله يا محبوب”.

وقد تكون أغنيته الشهيرة التي أبدع فيها مغنياً “من بعدك لمين لمين الورد بينحني… وبتشرق لمين شمسك يا دني” أكثر تعبيراً عما يخلفه رحيل الأحباء، المعنوي والجسدي. اليوم يتذكّر محبو بركات هذه الأغنية ليسألوه لمن سينحني الورد واللحن بعد وفاته.

لم يكن بركات فناناً عابراً في الوسط اللبناني، في ألحانه التي يمكن لمن يسمعها للمرة الأولى أن ينسبها إليه، وفي طبقاته الصوتية التي كان يتقن التلاعب بها بشكل يشدّ كل من يسمعه، إذ لا ينسى أحد وصلته الغنائية التي يردّد فيها لازمة “واواواواه واواواواه” لدقائق معدودة دون أن يتوقف، وفي قدرته على الأداء فوق الخشبة غناءً ومسرحاً.

الرومانسي النزق

كان بركات يُعرف بالفنان الشقيّ والثائر، ليس في فنه وحسب، بل في طباعه. كان حاداً، صريحاً وفجاً. أدخله ذلك في عداوات كثيرة، خاصة مع أهل الفن، وجعله عرضة للانتقاد، لكنه بقي “أبو مجد” الذي تتابعه الصحافة مهما قال، ويحترمه الموسيقيون والفنانون لما أعطاه في هذا المجال. تعكس موسيقاه شخصيته، ففي الأغنية الواحدة ينتقل من حالة الرومانسية والحب والإحساس في موسيقاه، إلى الطبقة المرتفعة التي تحكي ما عرف من حدة مزاجه وعصبيته.

اليوم يتذكّر محبو ملحم بركات أغنيته “من بعدك لمين” ليسألوه لمن سينحني الورد واللحن بعد وفاته…

يشبه ملحم بركات لبنان بتحولاته وبنزقه وبعطائه. في بداية الحرب الأهلية، كان عمره ثلاثين عاماً، وخلال الحرب كانت أغانيه مسموعة ومنتشرة، كما مسرحيته “حلوة كتير” التي تشارك فيها مع صباح.

ولد في بلدة كفرشيما لعائلة متواضعة، كان والده نجاراً ويجيد عزف العود، وبين جيرانه في الحي كان الموسيقار حليم الرومي والفنان فيلمون وهبي. في السادسة عشر، قرّر أن يترك المدرسة ويلتحق بـ”الكونسرفاتوار” من دون علم أبيه، إلى أن اكتشف الأخير الأمر وقبله على مضض بداية قائلاً (كما ذكر بركات في إحدى المرات) “أتريد أن تغني في وقت يغني فيه محمد عبد الوهاب؟”. لكن موهبته الواعدة، ودراسته على يد سليم الحلو وزكي ناصيف وتوفيق الباشا، أجبرت أبيه على قبول هذا القرار، فيما كان لكل من عبد الوهاب وأم كلثوم الأثر الأكبر على ميول “الموسيقار” الموسيقية.

بادله عبد الوهاب هذا التقدير فقال عنه إنه “موسيقار لبنان”، بينما وصفه الفنان فريد الأطرش بأنه الصوت الذهبي في لبنان. في المقابل، حافظ بركات على اللهجة اللبنانية في أغانيه فلم يغنّ غيرها، وقد كان نقده لاذعاً لأبناء بلاده الذين اشتهروا بغناء اللهجة المصرية ووصفهم بـ”الخونة”.

“مطرب الضيعة” أم الرؤساء؟

في بداياته عُرف بـ”مطرب الضيعة” بعدما اشترك مع فيلمون وهبي بعمل حمل عنوان “الله كريم”، ثم تبعه بـ”يا أسمر”. تعاون كذلك مع الرحابنة في مسرحية “اليوم السابع” في العام 1984 ومسرحية “ومشيت بطريقي” التي أدى فيها أجمل أغانيه مع الراقصة الراحلة داني بسترس، كما شارك فيروز في مسرحية “فخر الدين” وسلوى القطريب في “زمرد”. وأطلّ في برنامج “ساعة وغنيّة” مع الأخوين رحباني، وغنى فيه مع جورجيت صايغ أغنية “بلغي كل مواعيدي” التي لا زال الفنانون والمستمعون يردّدونها حتى يومنا هذا.

بقي في فرقة الرحابنة لأربع سنوات، قبل أن يقرّر الرحيل ليبدأ مساره الفني منفرداً ويرسم صورته الموسيقية الخاصة. اشتهر كثر من الفنانين بأغنيات من توقيعه كغسان صليبا في أغنية “يا حلوة شعرك داري”،

و”أبوك مين يا صبيّة” لوليد توفيق، و”اعتزلت الغرام” لماجدة الرومي، و”يا حبيبي تصبّح فيي” لكارول صقر، وستخرج له أغاني جديدة لحنها في الفترة الأخيرة، من بينها أغنية في ألبوم ملحم زين المنتظر.

وكان للأغاني الوطنية حصّة في مسار بركات الموسيقي، فغنّى “بلادي ومين ما بيعرف جمالها” و”موعدنا أرضك يا بلدنا” و”يا صمتي يا معذبني”، وأغنية “رح يبقى الوطن” التي غناها مع الفنانة نجوى كرم وقال فيها “يا منموت كلنا وبينتهي الوطن… يا منكون رجال وبيبقى الوطن”. ومع وصول الرئيس إميل لحود إلى الرئاسة غنّى للمناسبة “من فرح الناس عرفنا إنك جاي”.

أثارت مواقف بركات السياسية جدلاً كبيراً بشأنه، فاحتفل البعض به وبمواقفه وإعجابه بالسيّد حسن نصرالله ومهاجمته من يعارض ترشيح ميشال عون للرئاسة، وانتقد البعض “الموسيقار” الذي سقط في المستنقع اللبناني. للمفارقة، مات بركات قبل أيام قليلة على اليوم المفترض لوصول عون إلى سدّة الرئاسة.

“رفيق عمري راح”

على الرغم من الجدل السابق، أجمع فنانون لبنانيون وعرب على نعي “الفنان الكبير” الذي يبدو أنه حلّ جميع خلافاته مع البعض منهم قبل رحيله، ومن بينهم رفيق دربه الشاعر نزار فرنسيس الذي قال “رفيق عمري راح.. نفسي حزينة حتى الموت”. كما انهمرت التغريدات على تويتر لنعي القيمة الكبيرة التي خسرها لبنان، بعدما أصبحت أغانيه التي كانت تشعل القلوب طرباً ورقصاً، تثير رغبة بالبكاء.

هكذا، بكلّ ما قدمه، من على “بابي واقف قمرين” و”حمامة بيضا” و”أحلى ظهور” وغيرها، وبكل الجدل الذي أثاره، وبكل أخبار حبّه للصيد مع الملحن إيلي شويري والفنان فيلمون وهبي والنساء اللواتي وصفهن بـ”القنبلة النووية”، يرحل بركات. يرحل بعدما ترك وراءه مقطوعة مدتها نصف ساعة طلب أن ترافقه من منزله إلى مثواه الأخير (وهي المدة التي تستغرقها المسافة)، وترك وراءه عائلة مؤلفة من مجد ووعد وغنوة من زواجه الأول ومن ملحم جونيور من زواجه الثاني من الفنانة مي حريري. كما غادر وطناً يحزن على رحيل أبرز من صنعوا فترة لبنان الذهبيّة، تاركينه يواجه مجهول الأيام القادمة، سياسة وفناً وثقافة.

haifa-zeiater-300x300هيفاء زعيتر

صحافية لبنانية. عملت في صحيفة السفير، ثم مراسلة لقناة الجديد اللبنانية، وقناة فرانس24 الناطقة باللغة العربية.

تعليقات من فيسبوك

Comments

comments

شاهد أيضاً

Theresa May heads to Brussels after winning vote of no confidence

Sawt Al Arab – London British Prime Minister Theresa May won a crucial vote of …

تابعوا اخر الأخبار على صوت العرب

Translate » ترجم الموقع لأي لغة في العالم
التخطي إلى شريط الأدوات