مؤتمر باريس . فرنسا وفرض النفوذ في ليبيا - صوت العرب
المتواجدون حالياً على الموقع


الرئيسية / أُخَرُ الأَخْبَار / مؤتمر باريس . فرنسا وفرض النفوذ في ليبيا

مؤتمر باريس . فرنسا وفرض النفوذ في ليبيا

محمد عمران كشادة – صوت العرب 

انعقد في باريس يوم الثلاثاء 29 مايو مؤتمر جمع بين الفرقاء السياسيين الليبيين بدعوة من الرئيس الفرنسي ماكرون ، ياتي هذا المؤتمر بعد حوالي اكثر من 10 اشهر على اجتماع سان كلو في باريس في يوليو 2017م ، حيث التقى حفتر والسراج برعاية ماكرون وتم الاتفاق على وقف اطلاق النار واجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية في مارس 2018م ، الا ان ما تم الاتفاق عليه وقتها لم يتحقق منه شئ على ارض الواقع ، والسؤال المهم هنا .. هل ستنجح المبادرة الفرنسية في تحقيق ما تم الاتفاق عليه في مؤتمر باريس الجديد ، ام ان مصيرها سيكون الفشل مثل اجتماع سان كلو؟. ليس هناك فرق كبير بين ما تم الاتفاق عليه في سان كلو ، وما تم الاتفاق عليه في مؤتمر باريس ، في مؤتمر باريس يبدو واضحا بان فرنسا تسعى لتعزيز نفوذها في ليبيا ، والتصريحات الاخيرة للفرنسيين الداعمة لحفتر تؤكد ذلك ، وانهم حسموا امرهم ، فيما مضى كان الفرنسيون يصرحون بان حفتر هو جزء من الحل في ليبيا ، اما الان فتصريحاتهم تعتبر عن دعم كبير غير مسبوق لحفتر ، فهم لا يرون اي مانع لترشحه للانتخابات الرئاسية ، وانه شخص موثوق به ، ويكافح الارهاب في شرق ليبيا ، في اثناء انعقاد مؤتمر باريس أكدت الرئاسة الفرنسية بأن الأطراف الليبية قد اتفقت على ثمانية بنود في اجتماعها في قصر الإليزيه ، حيث تم الاتفاق على  تحديد جدول زمني لاعتماد الدستور وتنظيم انتخابات رئاسية وبرلمانية في العاشر من ديسمبر 2018م ، إضافة إلى  التزام الأطراف كافة بنتائج الانتخابات ومحاسبة كل من يحاول عرقلة العملية الانتخابية ، وإصدار قانون الانتخابات من قبل البرلمان بالتنسيق مع المجلس الأعلى للدولة ، والعمل على  إنهاء الانقسام السياسي ، ونقل مقر البرلمان الى بنغازي ، وإلغاء الحكومات الموازية تدريجيًا، وتعاون البرلمان ومجلس الدولة على توحيد مؤسسات الدولة السيادية وعلى رأسها مصرف ليبيا المركزي ، وبناء مؤسسات عسكرية وأمنية موحدة خاضعة لسلطة سياسية مدنية ، ثم عقد اجتماع سياسي شامل لمتابعة تنفيذ هذه المبادرة ، والسؤال هنا .. الى مدى سوف تلتزم فرنسا بتنفيذ ما تم الاتفاق عليه في مؤتمر باريس ؟. هل تستطيع فرنسا ان تلزم حليفها حفتر بقبول الحل السياسي وايقاف الحرب ، وما يعنيه ذلك من ضرورة اتخاذ خطوات ومواقف جادة من اهمها وقف الحرب على درنة وانهاء الحصار والسماح بدخول المساعدات الانسانية لمدينة سكانها 100 الف نسمة كبادرة حسن نية ؟. وهل تستطيع فرنسا بان تضمن انصياع الجيش الوطني الذي يقوده حفتر للقيادة السياسية ؟. فرنسا تستطيع فعلا ان تضغط على حليفها حفتر اذا كانت جادة في المساهمة في حل الازمة الليبية ، الا انها ليست لديها ارادة سياسية لذلك ، وفرنسا تجد مصلحتها في استمرار الحرب في ليبيا ووضعت كل البيض في سلة العسكر ، واذا كانت فرنسا اليوم تدعو للحل السياسي والذهاب الى الانتخابات فذلك لانها تدرك بان حليفها لن يستطيع ان يحسم الصراع الليبي عسكريا ، وما الدعوة الى الانتخابات الا محاولة لانقاذ مشروع حكم العسكر في ليبيا بعد اكثر من اربعة اعوام عجز فيها حفتر على تحقيق مكاسب وانتصارات عسكرية تقوده الى الحكم ، ونحن في ليبيا نعرف جيدا نوايا فرنسا ، ونعلم ما تقوله علنا وما تظهره من مواقف ، وما تخفيه تحت الطاولة من اهداف واجندات ، ليبيا تشهد صراع دولي بين القوى الكبرى ، وكل دولة تريد ان تفرض نفوذها وتحقق مصالحها ، صراع كبير وتنافس محموم طفى على السطح واصبح واضحا بين فرنسا وايطاليا ، ايطاليا تنظر بقلق وريبة لاطماع فرنسا في ليبيا التي ترى بانها مستعمرتا التاريخية ، ولا تخفي رفضها للسياسة الفرنسية في ليبيا وتصر ايطاليا على حصر المبادرات الرامية لحل الازمة الليبية في يد البعثة الاممية والامم المتحدة وحدها ، في اثناء اجتماع سان كلو في يوليو 2017م عبر الايطاليون بصراحة عن امتعاضهم مما تفعله فرنسا ، رفض ايطالي واضح للدور الفرنسي المتنامي في ليبيا ، قبل انعقاد اجتماع سان كلو بايام نقلت رويترز عن دبلوماسي في وزارة الخارجية الإيطالية قوله : (ماكرون يريد أن يكون له دور أكبر كثيراً في ليبيا ،  لا بأس بذلك لكنه نحّانا جانباً ، لم نُستشر و ثمة غضب كبير جراء ذلك ) ، صراع وتنافس ايطالي فرنسي على النفوذ في ليبيا ليس خافيا ، مؤكد بان مؤتمر باريس لن يقدم حلول للازمة الليبية ، والاتفاق يعتبر هش ، حيث لم يوقع الفرقاء السياسيين الليبيين على الاتفاق بشكل خطي ، بل تم الاتفاق شفويا ، يبدو واضحا بان الضمانات لتنفيذ الاتفاق غائبة ، وان مؤتمر باريس هو بمثابة استعراض للقوة لسيد الاليزيه الذي يريد ان يعزز الدور الفرنسي في ليبيا ، وان يضمن مكان لحفتر كلاعب اساسي على مسرح الاحداث ، وطرف رئيسي على طاولة المفاوضات الي جانب الاطراف الاخرى ، حين ندقق النظر في ممثلي الاطراف السياسية الليبية التي حضرت مؤتمر باريس نجد بانه لا مكان لقائد عسكري الى جانب قادة سياسيين ، على عقلاء ليبيا اليوم ان يدركوا جيدا حقيقة فرنسا ، وان لا يعلقوا امالا على قوة استعمارية ماكرة ارتكبت كثير من الجرائم في حق العرب والمسلمين وشعوب العالم ، يخبرنا التاريخ عن سياسات فرنسا في ليبيا قبل 200عام ، وفي التاريخ دروس لمن يريد ان يعرف الحقائق ولا يكون ضحية للخداع ومكر القوى الاستعمارية ، وتاريخنا في ليبيا شاهد على ابعاد وخفايا السياسة الفرنسية ، في عهد يوسف باشا القره مانلي يخبرنا التاريخ بان فرنسا كانت هي السبب في الازمة الاقتصادية التي تفجرت في البلاد في عام 1830م ، فبعد ايام قلائل من غزو فرنسا للجزائر اذ بالاسطول الفرنسي قبالة ساحل طرابلس بقيادة روزامئل حيث وجه انذار الي يوسف باشا القره مانلي بضرورة سداد ديون التجار الفرنسيين والاجانب المستحقة على الدولة الليبية وقتها والتي بلغت 800 الف فرنك ، كما ان روزامئل اشترط على الباشا السماح بافتتاح ممثليات تجارية لفرنسا والدول الاوروبية في كل الموانئ الليبية ، وان يكون لهم الحق في ممارسة انشطة التجارة الداخلية والخارجية ، كما انه طالب بمنع استرقاق المسيحيين ، وعدم تطوير الاسطول البحري الليبي ، وفي الواقع كانت هذه المطالب الفرنسية تمثل بنود معاهدة مخزية فرضت بالقوة على الدولة الليبية ، انها معاهدة 11 اغسطس المخزية ، قال عنها القنصل البريطاني وارنجتون : ( لقد انزلت استقلال طرابلس الى الحضيض ) ، فرنسا كان لها دور كبير في تاجيج الازمة الاقتصادية في ليبيا والتي نتج عنها تداعيات خطيرة ، حيث ثار عبد الجليل سيف النصر في فزان ضد حكم يوسف باشا القره مانلي في عام 1832م ، ودخلت البلاد في حرب اهلية امتدت ثلاثة اعوام لم يسفر عنها انتصار احد طرفي الصراع بل انهاك قوتهما وانهيار الدولة القره مانلية ، وعودة الدولة العثمانية لاحتلال ليبيا وحكمها من جديد في عام 1835م ، فرنسا اليوم تريد ان تهئ الظروف للعودة الى فزان ، ولن تتردد في تقسيم ليبيا اذا وجدت في ذلك ما يحقق مصالحها ، وهي التي دعمت مشروع بيفن سيفورزا لتقسيم ليبيا في عام 1949م ، ان من يعرف التاريخ الاستعماري لفرنسا في العالم وخاصة في افريقيا يدرك بأن شعار مكافحة الارهاب الذي ترفعه فرنسا ليس الا ستاراً وذريعة للتمهيد لاعادة وجودها ونفوذها الاستعماري في مناطق تحقق لها مكاسب سياسية واقتصادية هي بامس الحاجة لها في تثبيت وجودها كقوة عظمى في العالم ، ان تواجد فرنسا وتعزيز نفوذها في ليبيا وخاصة في فزان يحقق لها اهداف استراتيجية كثيرة اهمها ضمان موطئ قدم تنطلق منه لتحقيق اهداف اخرى تتعلق بالجزائر ومنطقة الساحل الافريقي ، كما ان غنى ليبيا بالنفط والغاز يعتبر مغرياً لفرنسا خاصة وان فرنسا تعانى من مشاكل اقتصادية ، صفقة شركة توتال مع شركة ماراثون الامريكية في مارس 2018م تؤكد ذلك ، ان مؤتمر باريس لن يقدم أي جديد لليبيين ، وسوف تدخل ليبيا مرحلة جديدة ومعقدة من الصراع .

مدير مكتب ليبيا – طرابلس

تعليقات من فيسبوك

Comments

comments

شاهد أيضاً

جميلة ممثلات سورية رنا الأبيض: الرياضة من أساسيات جمال أي فتاة

  رنا الأبيض: الرياضة من أساسيات جمال أي فتاة أتابع الفروسية بشغف فهي تحرك مشاعر …

تابعوا اخر الأخبار على صوت العرب

Translate » ترجم الموقع لأي لغة في العالم
التخطي إلى شريط الأدوات