كيف اقتنع المسلمون بأن التديّن لا يخفض الأسعار؟ ..ولن ينتهي الغلاء إذا تحجبت النساء..!! - صوت العرب
المتواجدون حالياً على الموقع


الرئيسية / أُخَرُ الأَخْبَار / كيف اقتنع المسلمون بأن التديّن لا يخفض الأسعار؟ ..ولن ينتهي الغلاء إذا تحجبت النساء..!!

كيف اقتنع المسلمون بأن التديّن لا يخفض الأسعار؟ ..ولن ينتهي الغلاء إذا تحجبت النساء..!!

صوت العرب – “مُنع المطر وجفّت الأرض وهلكت المواشي”… هذا مما كتبه الطبري في تاريخه عن حوادث العام الثامن عشر للهجرة (639 م.)، الذي سُمي بعام الرمادة، وذلك نتيجة ندرة سقوط الأمطار في مكة، ما أدى إلى ارتفاع أسعار السلع حتى راح المسلمون يتقاتلون عليها واستغاث الخليفة عمر بن الخطاب بكافة الأمصار، خاصة مصر، لمدّه بالمؤن الأساسية.

يذكر الطبري أيضاً أنه بجانب هذا الإجراء، اتخذ عمر عدداً آخر من الإجراءات أبرزها توجيه الناس لكثرة الصلاة والدعاء، كما لجأ إلى صلاة الاستسقاء وهي صلاة لنزول المطر، وأداها ثلاث مرات.

ورغم أن هذا النوع من الكوارث لم يكن جديداً، إذ تعرّضت له ممالك قديمة مثل ممالك الروم والفرس فتعلموا منها ضرورة تخزين المياه في خزانات وكذلك تخزين الحبوب تحسباً لأية أزمة، إلا أن حداثة الدولة الإسلامية لم تمكّن المسلمين من ذلك.

تفسيرات ماورائية

وكان التفكير في سبب الغلاء وندرة المواد الغذائية محدوداً، فقد أرجعوا كل شيء إلى إنه نتيجة غضب من الله عليهم، وهو ما يفسر إجراءات ابن الخطاب التي تركزت على العبادة.

ولكن بعد قرون من ذلك، لا يزال بعض المسلمين يفسّرون الأزمات الاقتصادية التي يعانون منها بأسباب ماورائية تعفي المسؤولين من مسؤولياتهم.

يؤصّل وكيل مشيخة الأزهر عباس شومان لتلك النظرية، ويقول لرصيف22 إن السبب الأساسي في الربط بين الغلاء وغضب الله هو تفسير بعض آيات القرآن الكريم بتفاسير محدودة مثل آيات {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}، و{فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً، يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً، وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً}.

ويقول شومان إن بعض الفقهاء فسّروا تلك الآيات على أنها مرتبطة فقط بالمال ورغد المعيشة، رغم أن المفهوم أوسع من ذلك بكثير، وبعضها جاء في سياق أحداث تاريخية ولم يتحدث عن قاعدة عامة.

ويدلل شومان على ذلك بقول الله في سورة البقرة {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ}، وهو ما يعني أن الأزمات حتمية الحدوث.

ولكن برأي شومان، لا يمكن أن نعتبر تلك الآية (155) تبريراً لفشل أية حكومة في تطبيق سياسات مالية عادلة، فتلك آيات خاصة بالبشر لا بالحكومات.

النظرية المسيطرة

على مدار قرون طويلة، ظلت النظرية المسيطرة على المسلمين هي أن أي غلاء هو نتيجة مباشرة لذنوب اقترفوها، ولو أنهم اتقوا ربهم لفتح السماء عليهم وأعطاهم الأموال والرزق.

وإذا كان بعض ملوك المسلمين وسلاطينهم قد اقتنعوا فعلاً بتلك النظرية، إلا أن آخرين استخدموها فقط لتبرير فشلهم في إدارة الموارد المالية للدولة.

يدلل على ذلك الدكتور عبد الفتاح عاشور في دراسته “مصر أيام المماليك”. يشير إلى أن سلاطين المماليك كانوا أكثر مَن كنز الأموال وقسموا الأراضي لمصلحتهم هم وأتباعهم، وهو ما نتج عنه أكثر من موجة غلاء تعامل المصريون معها على أنها نتيجة لاقتراف الذنوب، فكانوا يخرجون كلما اشتد الغلاء عليهم نحو الصحراء لدعوة الله إلى أن يفك عنهم كربهم، وكان سلاطين المماليك يدعمون ذلك من خلال بعض الشيوخ الذين روّجوا لتلك النظرية وكانوا ينصحون المواطنين بالصلاة والصيام وغلق الدور التي يُشرب فيها الخمر.

هذا ما حدث مثلاً في عهد المنصور حسام الدين الذي كنز أموالاً ضخمة ولكن حين ندرت المواد الغذائية، خرج لكي يطلب من الله أن ينجيهم من بلاء الغلاء، ولم يفكر في تحسين سياسته المالية تجاه الرعية.

تلك القاعدة تم كسرها لأول مرة في عهد السلطان بيبرس الجاشنكير الذي أُسقط عن عرش مصر عام 709 هـ.، بسبب ثورة شعبية. يوضح عاشور أن الغلاء استمر لأكثر من عام ولم يجد الناس قوت يومهم في الوقت الذي كان طعام الخيول يُجلب من الخارج، ما زاد النقمة على بيبرس فخرج الناس مطالبين بإسقاطه وساعدهم في ذلك بعض المماليك الطامعين في الحكم، فأسقطوه.

محاولة المسلمين في عهد بيبرس تكررت مرة أخرى، ولكن في عصر الدولة العثمانية كما يوضح المؤرخ خالد فهمي في كتابه “كل رجال الباشا”.

يروي أنه قبل صعود محمد علي إلى حكم مصر، قامت في مصر ثورة شعبية ضد الغلاء وتحديداً ضد الوزير المفوض للضرائب عثمان البرديسي، الذي فرضها بقوة حتى خرج الناس يتظاهرون مرددين هتافات “إيش تاخد من تفليسي يا برديسي”.

ولكن بعد ذلك، سارت الأمور بهدوء. ففي عصر الخديوي إسماعيل الذي استدان من الخارج، لم يكن هناك أي تحرك وإن كان البعض قد أشار إلى أن المصريين لم يشهدوا موجات غلاء في عهده، فهو فقط أهدر المخزون الاستراتيجي للدولة من المال.

سقوط النظرية

عام 1977، سقطت نظرية الغلاء بسبب بلاء الله، وذلك بعد أن اتخذ الرئيس الراحل أنور السادات قراراً برفع الدعم الجزئي عن بعض السلع الأساسية، ما أدى إلى نشوب تظاهرات في 17 و18 يناير أجبرت السادات على التراجع عن قراره.

ويقول رئيس حزب التجمع الاشتراكي وأحد المشاركين في تلك التظاهرات، سيد عبد العال، إن جميع المتظاهرين كانوا يدركون أن الغلاء ليس له علاقة بالله بل بإجراءات بشرية تتمثل في الحكومة التي تدير البلاد.

وعن انتشار تلك القناعة يقول لرصيف22 إن الأمر تطلب صناعة جيل بأكمله، فخلال حقبتي الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، تم إنشاء جيل يعرف النظريات الاشتراكية والرأسمالية وكيف يمكن إدارة البلاد اقتصادياً، خاصة في ظل توجه جمال عبد الناصر الاشتراكي، كما أن القضاء شبه الكامل على جماعات الإسلام السياسي مثل الإخوان المسلمين ساهم في خلق جيل مستنير.

ويوضح الكاتب عبد الله السناوي لرصيف22 أن صعود دول مثل اليابان والولايات المتحدة أثبت للمسلمين أن الأمر يتعلق بإدارة الدول وأن المسؤول الأول والأخير هو الرئيس.

الغلاء والحجاب

ولكن جماعات الإسلام السياسي لم تغب طويلاً، ففي نهاية السبعينيات من القرن الماضي عادت جماعة الإخوان المسلمين وبعدها ظهرت جماعات إسلامية اخرى.

كان القيادي السابق في جماعة الإخوان ثروت الخرباوي أحد مَن شاركوا في إطلاق حملة تحت شعار “ينتهي الغلاء حين تتحجب النساء”، في تسعينيات القرن الماضي.

ويروي لرصيف22 أن جماعة الإخوان في تلك الفترة أطلقت شعار “الإسلام هو الحل”، ومعه حملات موازية مهمتها إرجاع كل شيء سلبي إلى البُعد عن الإسلام، فظهرت حملة ضد البنوك الحكومية تقول إنها سبب الخراب الاقتصادي بسبب تعاملها بالربا، كما ظهرت حملة ضد النساء غير المحجبات.

ويضيف الخرباوي أن الحملة لم تقتصر على مصر، بل تم إطلاقها بشكل موازٍ في عدة دول مثل الأردن وسوريا وقطاع غزة، وكان الهدف منها هو محاصرة غير المحجبات من خلال إقناعهم بأنهم السبب في كل موجة غلاء خاصة أن تسعينيات القرن الماضي شهدت أكثر من موجة غلاء.

ففي مصر، في تلك الفترة، تضررت السياحة بسبب العمليات الإرهابية وقتها، بجانب تدهور حالة الجنيه المصري أمام الدولار، وهو ما أدى في النهاية إلى سياسة الخصخصة التي اتبعها الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك.

وبالتالي، “كان التوقيت مناسباً، والأمر كان من أجل جذب جماهير جديدة، أما الأحاديث والآيات القرآنية فتم تفسيرها لمصلحة الإخوان كي يقنعوا المواطنين بصدق حديثهم”، يقول الخرباوي.

ويوضح القيادي في الجماعة الإسلامية في سبعينيات القرن الماضي ناجح إبراهيم لرصيف22 أن الأمر لم يكن يتعلق بالحجاب فقط “فالحجاب خطوة، وإذا اقتنعت المرأة بأن الحجاب ينهي الغلاء فهذا يعني أنها مستعدة لتقبل المزيد من الأفكار التي كانت جماعة الإخوان بمساعدة الجماعات الإسلامية الأخرى تنشرها في المجتمع، وحققت نجاحاً في ذلك من خلال انتشار الحجاب ثم النقاب لاحقاً”، مؤكداً أن الأمر برمته كان لعبة سياسية.

سقوط النظريات الإسلامية

وكان عاما 2012 و2013 مفصليين، ويمكن اعتبارهما سنتي سقوط كل النظريات الإسلامية، حسبما يرى الكاتب فهمي هويدي.

ويقول لرصيف22 إن كل ما رددته جماعات الإسلام السياسي من نظريات، أصبحوا مُطالبين بتنفيذه، ولكنهم عجزوا عن ذلك فلم يلغوا البنوك الحكومية وشهد العامان موجات غلاء رغم أن الحكم يرأسه إسلاميون، وهو ما يعني فعلياً سقوط كل تلك النظريات.

ويرى عالم الاقتصاد المصري جلال أمين أن تسويق نظرية أن الغلاء سببه الذنوب أو حتى حجاب النساء غير قابل للعودة مرة أخرى.

ويقول لرصيف22 إن هناك عدة عوامل تؤكد ذلك، أولها أن الجيل الحالي جيل التكنولجيا والعولمة والاطلاع على كل شيء، ومن ثم من الصعب إقناعه بأن الغلاء سببه إلهي أو متمثل في سلوك البشر لأنه ببساطة يرى أن الأقوام الكافرة، من وجهة نظره، متفوقة وبالتالي فإن الأمر ليس له علاقة بالدين.

ويشير أمين إلى أن الحكومات نفسها باتت أكثر صراحة، و”كما كانت تركن قديماً لفكرة الله من منطلق إن الأمر ليس بيدها، فهي الآن تركن إلى النظام العالمي وأسعار البترول وشروط الصناديق الدولية، وما تريده في النهاية هو أن تقول إن الغلاء ليس بيدها”.

عبدالرحمن عباس – رصيفـ22

تعليقات من فيسبوك

Comments

comments

شاهد أيضاً

خوفًا من ترامب الممثلة الاباحية ستورمي دانيلز تشتري مسدسًا وتستعين بحراسة خاصة

صوت العرب – استعانت الممثلة الإباحية ستورمي دانيلز بحراسة خاصة؛ بسبب مخاوفها على حياتها، بعد …

تابعوا اخر الأخبار على صوت العرب

Translate » ترجم الموقع لأي لغة في العالم