كنت أجد الجمال والرجاء في حُلكة العناء - صوت العرب
المتواجدون حالياً على الموقع


الرئيسية / أقلام عربية / كنت أجد الجمال والرجاء في حُلكة العناء

كنت أجد الجمال والرجاء في حُلكة العناء

سيرة روائية 10

محمد داودية

عملت في العطلة الصيفية في مطعم سالم الشاويش، الواقع في اقصى الجهة الشرقية من المفرق، على خط بغداد-عمان، كان «المعلم» سالم يغيب كثيرا، دلّني على قواعد العمل الرئيسية ومضى.
أصبحت صبيَّ المطعم و»الشيف» والمحاسب. كنت انقع الحمص في الليل وفي الصباح اسلق نصفه وادقه واعمل منه حمصا بالطحينية وفتة حمص ومسبّحة، واطحن نصفه الاخر، اعمل منه الفلافل الشهية. أصبحت ألبي طلبات الاكل فأطبخ للزبائن !!
كان معلمي سالم الشاويش نبيلا، كريما، طيبا، هادئا، ودودا، ماهرا وذا وجه باسم، كنت آكل ما طاب لي في ذلك المطعم، ولما رأى انني اضع كل جهدي وعقلي وقلبي في عملي، ضاعف اجرتي التي كانت خمسة قروش في اليوم.
لقد تكررت معي حكاية مضاعفة اجرتي مرتين أخريين، بسبب انكبابي التام وعكوفي الكامل على العمل الذي يوكل إليّ واتقاني التام له. المرة الأولى مرة في صحيفة الاخبار عندما ضاعف فؤاد النمري أجرتي الشهرية وكانت تسعين دينارا. والمرة الثانية عندما عملت باجرة مائة وخمسين دينارا في الشهر مع مريود التل وطارق مصاروة، مديرا لتحرير مجلة الأفق الأسبوعية التي اصدراها عام 1982.
كنت اعمل في المطعم بمتعة لا تدانيها متعة، ابدأ من الساعة الخامسة صباحا او قبل ذلك أحيانا، الى ما بعد منتصف الليل. ولما رأيت ان الذهاب عند منتصف الليل الى البيت الذي يقع خلف سكة الحديد في الجهة الغربية من المفرق، متعب وشاق، ومعه مخاطر مهاجمة الكلاب الضالة، احضرت من البيت فرشة وغطاء خفيفا وأصبحت انام في المطعم. أُغلِقُ البابَ واجمعُ اربعَ طاولات، افرش عليها وانامُ اعمقَ نومٍ يحصل عليه انسان.
كنت سلطان زماني اتمتع واتلذذ بالقيادة وبالادارة وبالثقة التي اولانيها المعلم سالم الشاويش الذي كان يحضر الى المطعم مساء لمدة 3 ساعات لانشغاله بامور مختلفة اخرى.
بعد ثلاثة وثلاثين عاما، عندما كنت وزيرا للشباب ذهبت الى مدينة المفرق وقدمت احرّ التعازي لأسرته وزوجته بوفاة معلمي الطيب الكريم الودود الشهم، العم سالم الشويش.
الاشغال الشاقة نظير بضعة قروش في اليوم
في قلب بلدة المفرق يقع معمل عودة النبر- ابو سليمان لصناعة الطوب، اتفقت مع صاحبه على عشرة فلوس بدل دك كل طوبة. كانت من المهن الشاقة التي عملت بها ولم تكن اصعبها او اكثرها مشقة.
الجميل في الامر-اجد الجميل دائما- ان دك الطوب لم يكن يحتاج الى عطلة صيفية !!. كنت اذهب حسب أوقات فراغي وفي أي وقت من الأسبوع، مصطحبا معي احد الطلاب لدك الطوب.
في العطلة الصيفية التالية، كنت أشد عودا. وأيضا كنت اشد حاجة.
في صيف عام 1963 ذهبت مع عدد من الشباب للعمل في طريق المفرق- منشية بني حسن. توفيق النمري ومحمود كساب وكمال شحاتيت وسرحان النمري وفخري النمري والياس القسيس وعبد المهدي التميمي وخالد جدوع ومحمد الرواد.
وضعنا فرشات النوم والاغطية في القلاب الذي كان ينتظرنا ساعة الغروب قرب المسجد. كان في المفرق مسجد فسيح واحد فقط يقع بالقرب من السوق في منتصف البلدة. وكان فيها اربع كنائس !!
سهرنا سهرة خرافية، ضحكنا من قلوبنا المليئة بالعزم والبراءة والقلق والترقب، حدثنا محمود إبراهيم كساب عن عمله مع عمر الشريف في فيلم لورنس العرب في وادي اليتم والعقبة. وحدثنا توفيق هلال النمري عن اختناقه وعن رغبته الملحة في التوحش، وحكى لنا عن رحلة التوحش الأخيرة التي استغرقت أربعة أيام بصحبة الياس القسيس وآخرين، ذهبوا الى احراش دبين وغابوا عدة أيام بين أحضان الطبيعة وعادوا منهكين متعبين، لكنهم خاضوا تجربة اقتحامية فريدة.
لاحقا، ذهب الشباب الى البعيد في رحلات توحش مختلفة، لكنها كانت اشد قسوة، ذهب علي محمد إبراهيم مشري الخوالدة على ظهر باخرة شحن في رحلة طويلة الى اليونان فايطاليا الى ان استقر به الترحال في ملبورن باستراليا حيث تزوج فتاة يونانية تعرف عليها في معهد اللغة الإنجليزية هناك. ولما كنت سفيرا في اليونان زارني واولمت له في منزلي الواقع في ايكالي ارقى احياء أثينا ودعوت على شرفه كل نسايبنا الاغريق.
وذهب توفيق في مسارات صعبة متعرجة أخرى الى ان استقر في ولاية تينيسي باميركا. وذهب عيسى بطارسة في رحلة مغامرة الى اميركا رغم ان دخله في عمان من التلفزيون الأردني ومن صحيفة الرأي ومن التخطيط كان اكثر من دخله في كاليفورنيا.
الفيسبوك يدلني على الأصدقاء في اميركا بعد 50 عاما من الفراق
ذهبت من جاكرتا حيث اعمل سفيرا الى كاليفورنيا في مطلع آب عام 2011 وانا اصطحب معي ابني حسن وزيد نجل الكابتن جمال أبو عابد والتحق بنا سيف نجل مهند العفوري لتسجيلهم في الجامعة هناك. كنت اتفاءل بالاسماء الثلاثية.
لي أصدقاء اعزاء عديدون في اميركا من أبناء المفرق الذين هاجروا في الستينيات لا اعرف لهم رقم هاتف ولا عنوانا. كان الفيسبوك منجم عناوين واتصال بكل هؤلاء.
دخلت على صفحة صديقي الشاعر سرحان ذيب النمري ابحث في قائمة أصدقائه فوجدت ضالتي. وجدت في ولاية كاليفورنيا التي انا متوجه اليها، الشاعر عيسى بطارسة والكابتن فراج عيد فراج والأب اميل حداد.
اما بقية الأصدقاء فقد كانوا في ولايات أخرى.
الكابتن الطيار الحربي فرّاج فرّاج كان حلم فتيات المفرق. يمر في شوارعها وهو يرتدي زي الطيارين الأردنيين الكحلي الغامق الأخّاذ الجميل والنجوم تتلألأ على كتفيه فيرمقه الجميع باعجاب ويستقبلون تحيته بترحاب. كانت الفتيات يفتعلن أي شيء ليكن على الباب ساعة مرور هذا الفتى الوسيم. وكان الشباب السياسيون تحديدا يكنون له احتراما واعجابا كبيرين، فهو طيار حربي مقاتل؛ ما يعني انه اختار السمو والخطر والتضحية والذود عن الوطن وانه سيفتدي الوطن بروحه فنحن في معركة مع عدونا الإسرائيلي التي يلعب فيها سلاح الجو دورا حاسما ومؤثرا.
اردنيان يربحان في لاس فيغاس
زارني في مدينة «قلينديل» ذات الطابع الأرمني الوادعة الآمنة في اطراف لوس انجيلوس الصديق عيسى بطارسة الشاعر المسكون بالثقافة الذي انشأ موقع «الادب العربي» الالكتروني ليجمع فيه نخبة من الكتاب العرب فانفق عليه جميع ما جمع.
دعاني عيسى الى حفل عشاء في بيته في «فيكتور فيل» على منسف فاخر. حضر الكابتن فراج فراج والمصور حنا فراج ويعقوب خوري وعلي عطيات وناصر الربضي وحضر حسن ابني وزيد أبو عابد وسيف مهند العفوري.
اغدق عليّ أبو رائد لدرجة انني اوشكت ان أقول له انني مُحَمَّى عن اللحم !!
قال لي عيسى: يا سعادة السفير، لا يعقل ان تزور اميركا دون ان تزور لاس فيغاس، ولا اقبل ان تفوّت عليك هذه الفرصة.
وأضاف: انها مدينة اعجوبة مثل مدن الف ليلة وليلة وهي من تحف الدنيا، يؤمها الزوار من كل اميركا ومن كل انحاء العالم فهي مدينة الحياة واللهو والمطاعم والالوان والسياحة والتنزه.
وقال: هناك انطباع خاطيء عن لاس فيغاس هو انها مدينة القمار والجنس فقط.
وأضاف: ليس شرطا ان تلعب الميسر يا صديقي.
قلت: الى لاس فيغاس أيها المغامرالحبيب فالضيف أسير المعزّب.
كان معي ثمانية آلاف دولار كاش. حملتها من جاكرتا الى كاليفورنيا هي رسوم تسجيل ابني حسن في الجامعة، ولما اخرجتها من جيبتي لادفعها الى مسجلة الجامعة فغرت فاهها وقالت: يا رجل، كيف تجرؤ على حمل هذا المبلغ القاتل!!
قلت لأم رائد زوجة صديقي عيسى: يا اختي يا ام رائد، ارجو ان تحتفظي لي بسبعة آلاف دولار وببطاقة الصراف الآلي فسأحمل معي الى لاس فيغاس الف دولار وجواز السفر فقط.
عاد الشباب الثلاثة حسن وزيد وسيف الى كاليفورنيا مع الأب الأب فعلا اميل حداد. وانطلقنا بالسيارة الى لاس فيغاس التي تبعد عن منزل عيسى ثلاث ساعات فقط. ولاحقا دعوت عيسى والأب اميل الى جاكرتا حيث اقام عيسى عندي أسبوعا من اجمل الأسابيع واقام اميل في فندق قريب مع مجموعة من رفاقه أعضاء «جمعية سفراء من اجل السلام».
اخلاق الأردني واخلاق الامريكي
قلت للاب أميل: ادعوك الى الإقامة مع عيسى في منزلي فالسيدة ام عمر سافرت الى لوس انجيلوس لتكون مع ابننا حسن والمنزل واسع لكما. واضفت: انتما اردنيان وتستطيعان الإقامة في منزل السفير. اما بقية أعضاء المجموعة فهم أجانب لا يجوز ان يقيما في المنزل علاوة على ان عددهم كبير.
اعتذر الاب اميل قائلا: لا يجوز ان اترك رفاقي واتخلى عنهم. كان جوابا اردنيا عربيا يشي بان الرجل ظل فلاحا رغم مرور عقود من الغربة عليه.
اقمت حفل عشاء على شرف عيسى وإميل وأعضاء جمعية سفراء من اجل السلام في المنزل دعوت له عددا من السفراء العرب ولما حضر رئيس الجمعية قلت له ان اميل رفض ان يقيم في منزلي؛ لانه لا يريد ان يتخلى عنكم.
رد الرجل بجدية صعقتني: انا اقبل ان أقيم عندك بدلا منه !!!!
ناديت على اميل فأبلغته فحوى حديثي مع الرئيس فبهت هو الاخر.
وصلنا الى لاس فيغاس عصرا. تجولنا في هذه المدينة المبهرة. في المساء أصبحت لاس فيغاس كرنفالا ومزيجا مدروسا من الأضواء الفَرِحة. تناولنا وجبة عشاء فاخرة مكونة من السمك الذي كان معدّا بطريقة جعلت مذاقه من اشهى ما اكلت.
علّق عيسى قائلا: في لاس فيغاس يوجد أمهر طهاة اميركا.
قلت: وفيها اجمل النساء.
وأضفت جادا: النساء كلهن جميلات، في كل احوالهن. ضئيلات، سمينات، فارعات، قصيرات، سمراوات، شقراوات، متعَبات، متبرجات وغير متبرجات.
عدنا الى الفندق، تسامرنا، استذكرنا الاصدقاء وقررنا ان نجرب حظنا في الكازينو.
قلت: ساغامر بجزء من المبلغ الذي احمله. وعلى كل الأحوال فهو لن يكسرني كليا ان خسرته.
من الساعة العاشرة ليلا وحتى الساعة الرابعة صباحا كانت النتيجة انني ربحت نصف دولار تركته على الطاولة. ولعب عيسى باتزان وبهدوء تنسجمان مع شخصيته. ولما نهضنا كان قد ربح نحو خمسين دولارا وزعها على الخدم.
قلت لعيسى: انها ليلة تاريخية مهمة يا صديقي، اثنان من الاردن يربحان في لاس فيغاس!.
وقلت: ان الربح الكبير في الكازينوهات، كما يقول الضالعون في الميسر، ان لا تخرج من الكازينو خاسرا.
قلت لعيسى: غريب ان اردنيين يربحان في لاس فيغاس.
صبايا اميركا وصبايا بلادي
ودعنا تلك المدينة الصحراوية الأخّاذة التي كانت غارقة في الرطوبة والحر المفرط والنساء المتجردات الا من قبعات ونظارات شمسية داكنة وبناطيل ضيقة قصيرة وتي شيرتات شفافة وابتسامات عذبة خلتها مزروعة في وجوه نساء اميركا كلهن منذ الولادة.
تذكرت طقس المفرق الصحراوي المفرط الحرارة نهارا. تذكرت الصبايا المفرطات العذوبة والخفر والاحتشام. تذكرت النسيم العليل في ليالي المفرق الفريدة.
قلت لعيسى: يبدو انني محظوظ مع المدن الصحراوية يا صديقي. الاجفور والمفرق ولاس فيغاس.
رد عيسى ونحن في طريق العودة الى منزله على سؤالي عن اسباب الهجرة فقال: في الربع الأخير من الخمسينيات بدأت «المفرق» الوادعة الصغيرة، تضيق بأحلامنا وتطلعاتنا، ولعل الأصح أن أقول لك إن أحلامنا بدأت تنمو وتطفو على حواف مدينتنا، وتهفو للبعيد.
وأضاف: هاجرنا من اجل إتمام الدراسات العليا والزواج وانجاب الأبناء وتأسيس أعمال حرة ولأسباب خاصة أحيانا.
عندما دعاني فارس هلال حداد رئيس الجمعية الأردنية الاميركية لجنوب كاليفورنيا الكائنة في مدينة «كانيون كانتري» بكاليفورنيا الى مقر الجمعية، تحدثت كمواطن وكسفير في شؤون الأردن وسياساته واجبت بنزاهة عن كل الأسئلة الحارة الجريئة المتعلقة بالوطن وبأمتنا العربية.
احترقت خيمتنا ونحن نيام واوشكنا على الاختناق
امام غرفة «المراقب – الفورمان» في تلك الورشة الكبيرة، في فجر المفرق الندي، تجمّعنا في ذلك الصيف البعيد من عام 1963. أعطى المراقب كل واحد منا «قَدّوماً» وقفّةً، واطلعنا على العمل المطلوب. حدد لكل واحد منا مساحة مطلوب رصفها بإتقان كامل، وعاد الى خيمته.
كان العمل شاقا جدا يكسر الظهر. كان عليّ ان اظل مقوس الظهر، مقرمزا، اكسّر الحجارة المختلفة الاحجام بالقدوم لأجعلها في حجم متقارب وفي مستوى واحد دون بروز او هبوط. كان عملنا يمتد نحو عشر ساعات، اصعبها واقساها واوسخها واعنفها، هي تلك الساعات الثقيلة التي لا تنتهي، الممتدة من الساعة الثانية عشرة الى الساعة الثالثة بعد الظهر.
وما كان يخفف عنا ويجعلنا نبقى ولا نَفِرُّ من لهيب ذلك الجحيم، هو تلك السهرة القصيرة التي تبدأ بعد الغروب. كنا نحو عشرة عمال شباب في خيمة واحدة، لم يكن سوانا من شباب المفرق، يتوزع الحديث على كل شيء وعلى كل من يرغب في الحديث، نكات، سياسة، يهود، المراقب السكران طيلة الوقت الذي يحسب حجم شغلنا، الشعر، السينما، عشاء العمال المتكرر طيلة الأسبوع، الشقاء مقابل ملاليم. وكان محمد كساب نجم تلك الجسلت بلا منازع.
صحونا في منتصف الليل، كانت الخيمة تحترق، ضرب كمال شحاتيت، وهو غارق في احد كوابيسه، الفانوس المضاء المركون في منتصف الخيمة، فقلبه، وسال منه الكاز فامسكت النار بطرف فرشته القطنية وهو غارق في كابوس مرعب يصارع فيه احد وحوش أفلام الرعب التي كان يحضرها في سينما بغداد. كان السخام في الخيمة كثيفا لدرجة انه اصبح كتلا يمكن ان تمسك باليدين.
طردنا مديرُ «النافعة»، قائلا: لا تعودوا بعد نهاية الأسبوع، فاذا كنتم قد احرقتم خيمة ففي المرة القادمة ستحرقون المخيم، وقد تحرقون أنفسكم فأقع في شر مستطير.
في العطلة الصيفية التي تلت، عملت في المحجر. كانت الأجرة اعلى وهذا هو المهم، ليست مهمة جلسات المستشار وكاتب رسائل الغرام في الأجواء المريحة النظيفة مع الفتيات الناعمات، فمردودها شحيح للغاية، ولم تعد تفيد ثلاثة دنانير، اجرة المطعم الشهرية، ولا أجرة دك الطوب.
كان علي ان انهض على الساعة الخامسة فجرا وان أمشي مع شباب الحارة نحو خمسة كيلومترات خارج بلدة المفرق لنكون في المحجر على الساعة السادسة صباحا.
الأجرة في المحجر نصف دينار يوميا. حلوين، قلت لنفسي. وسأتمكن اخر الأسبوع من شراء بعض لوازم البيت.
حذرني عودة النبر صاحب الكسارة: لا اعتقد انك تتمكن من الصمود والمواصلة.
وحذرتني امي مشفقة: يا ابني شغل الكسارات شغل زلام. جدك يقول الكسارة بتهد حيلك وبتكسر ظهرك.
وأخيرا تنفسنا. اطلق المراقب صفارته معلنا استراحة نصف ساعة لتناول وجبة الفطور.
غسلت وجهي من بودرة الكسارة الناعمة التي علقت بانفي وحلقي وعيني. شكّلنا حلقة التهمت طعام العمال التقليدي في ذلك العراء التموزي القائظ.
على الساعة الثانية عشرة ادهشني ان العمال حملوا اباريق الوضوء وتوجهوا بتثاقل الى العراء.
سألت احد العمال وكان يحمل إبريقا: ما الذي يحدث؟
قال: نذهب الى قضاء الحاجة، ثم نتوضأ ونصلي الظهر.
واعلن بفرح: انها استراحة ربانية جادت بها السماء.
ذهلت. لا بد ان هذا العامل المسيحي قد أسلم دون ان يعلن.
مشيت معه وغبت طويلا وعدت، توضأت وصليت مع المجموعة ومراقب العمال الجديد يتطلع بعينيه ويهز برأسه.
نادى على العامل المسيحي وقال ساخرا: أصبحت تتنجى وتتوضأ وتصلي مع المسلمين يا يعقوب، هل اسلمت ؟!
رد يعقوب بإضطراب: لم أُسْلِم ولكنني احب صلاة المسلمين التي تتكون من حركات رياضية ممتازة.
المراقب الفطين الذي أبطل المكر
هز المراقب رأسه، كان واضحا انه يبيّت امراً مريبا.
على الساعة الواحدة اطلق المراقب صافرة الغداء، كانت شمس الظهيرة تنغرس في كتفيّ ورقبتي ووجهي كالمسامير. لا توجد نسمة ريح واحدة في ذلك الهجير الفظيع.
توجهت الى برميل الماء أدخلت رأسي في الماء الساخن ثم انتحيت مفسحا لغيري، جلست في ظل عربة حديدية مقلوبة، لامست يدي حديد العربة، لسعتني فصرخت من شدة حرارتها.
كنت متعبا متهدلا كقطعة خيش. سرعان ما صفّر المراقب معلنا انتهاء فرصة الغداء، قال: يا شباب، اعتبارا من يوم غد تصبح فرصة الغداء على الساعة الثانية عشرة بدلا من الساعة الواحدة.
ضجّ الجمع. لعنة الله عليك.
عندما حان وقت صلاة الظهر، في اليوم التالي، صفّر عثمان معلنا فرصة الغداء، واحد من العمال فقط هو الوحيد الذي حمل ابريق الوضوء، متوجها بسرعة اكبر من المعتاد بكثير، الى الخلاء لقضاء حاجته. كان احد اثنين متدينين في المحجر، يتوضآن و يصليان بانتظام.
نادى عليه الثاني قائلا: يا رجل تعال كُلْ لقمة، ان وقت الغداء ينفذ، لكن وقت الصلاة لا ينفذ وربك ييسر ولا يعسر.
قال المراقب موجها الكلام الى الاول: انت فقط، لك ربع ساعة زيادة في استراحة الغداء.
والقى علينا نظرة الظفر.
هزّتني امي عدة مرات، ايقظتني على الساعة الرابعة والنصف فجرا.
قالت بحنو: فطورك جاهز.
قلت متبرما وانا مستلقٍ تحت الغطاء: هل تعرفين ماذا أتمنى الآن يا امي؟
قالت: ماذا يا حبيبي، اطلب؟
قلت: أتمنى لو انني ارتاح فلا أقوم الى الابد، أتمنى ان اموت.
قالت: بعيد الشر عنك، بعيد الشر. لماذا، لماذا؟
قلت وانا انهض متثاقلا: انا اعمل في جهنم يا امّي.
قالت وهي تجهش بالبكاء: يا ويلي. قلت لك يا حبيبي، بلاش كسارة بلاش، خليك نايم.
قلت وانا استوي على قدميّ بتثاقل: ما في مجال غير هيك يا أم محمد، لقد كُتِب عليّ الشقاء.
خرجت كأنما في قدميّ ارطال حديد، كان شباب الحارة قد اخذوا يتجمعون وهم يشدون أزر بعضهم بعضا. كان العمل في المحجر مريعا؛ لكن ما هو مريع اكثر وجه امي الذي كانت الدموع تتفجر منه.
القسم 11 يتبع الأربعاء المقبل

تعليقات من فيسبوك

Comments

comments

شاهد أيضاً

لماذا هرب القنصل السعودي لبلاده قبل تفتيش منزله بإسطنبول؟

عبيدة عامر محرر سياسي صوت العرب – ربما لم يكن أحد قد سمع باسم محمد …

تابعوا اخر الأخبار على صوت العرب

Translate » ترجم الموقع لأي لغة في العالم
التخطي إلى شريط الأدوات