في السودان مشاهدة شروق الشمس جريمة...!! - صوت العرب
المتواجدون حالياً على الموقع


الرئيسية / أُخَرُ الأَخْبَار / في السودان مشاهدة شروق الشمس جريمة…!!

في السودان مشاهدة شروق الشمس جريمة…!!

ويني عمر 

 

في الخرطوم، تستيقظ مبكراً، بمزاج هادئ وأمل في الحياة. تقرّر الذهاب لمشاهدة شروق الشمس على شاطىء النيل، وحدك أو برفقة الأصدقاء. ترتدي ملابسك، تشرب سريعاً كوب القهوة وتغادر للحاق بطلّة الشمس البهية.

 

هناك تتخذ موقعاً مناسباً ومثالياً ترى منه المشهد كاملاً، تتموضع وترحل مع أفكارك الخاصة متأملاً طاقة الحياة التي تمنحها الشمس… لتتفاجأ بيد تمتد لتشدّ على كتفك. تلتفت فتجد شرطياً غاضباً يشدك بقسوة ويقتادك إلى قسم الشرطة وسط حيرتك وارتباكك. وهناك تعرف أن تهمتك هي “مشاهدة شروق الشمس”.

 

يحدث هذا في السودان، بشكل يومي، وبواسطة شرطة النظام العام. إعلامياً، بدأت الصحف في تغطية أخبار كهذه منذ بداية العام الحالي. أول الأمر، قابلنا تلك الاعتقالات بتهكم وسخرية كبيرتين على مواقع التواصل الاجتماعي، لكن بعد أن تمت إدانة مجموعة من الشباب الممارسين لهذه العادة بالجلد والغرامة والسجن، انتبه الجميع إلى جدية الأمر، وعمّت حالة من الاستهجان والرفض، رافقها نقاش طويل حول الجدوى من هذه التهم. وما بين مؤيد ورافض لهذه الممارسة، يبقى الوضع القانوني كما هو: مشاهدة شروق الشمس جريمة.

يتعلق الأمر في معظم الأحيان بتهمة “عبادة الشمس” أو ممارسة طقوس وثنية، وفجأة تتحول رغبتك في مشاهدة الشروق إلى جريمة، وقد تُضاف إليها تهم أخرى طبعاً.

تحكي “منى” (اسم مستعار) عن تواجدها مع صديقاتها صباحاً على “كوبري توتي” لمشاهدة شروق الشمس قبل أن تقترب سيارة شرطة منهن ويتم اعتقالهن بتهمة “التجمع لمشاهدة شروق الشمس”. وجهت المحكمة لهن تهمة إضافية هي ارتداء “الزي الفاضح” المأخوذة من المادة 152 من القانون الجنائي السوداني. بعض صديقاتها كن يرتدين البنطلون، وهو ما يُصنّف في السودان كزيّ فاضح.

حكم القاضي على الفتيات بغرامة 2000 جنيه سوداني (حوالي 50$) لكل واحدة منهن، وتمّ توزيعها كالآتي: 1000 جنيه عقوبة على ممارسة عادة دخيلة هي مشاهدة شروق الشمس، و1000 جنيه أخرى على ارتداء الزي الفاضح.

كابوس طويل ومستمر

لن ينتهي الأمر هنا، يبدو كما لو أنك ستكون مجرماً غصباً عنك، ويوماً ما لا بدّ أن تمر على أحد أقسام ومحاكم النظام العام في السودان.

تتراوح التهم، تحت منظومة النظام العام، ما بين ارتداء الزيّ المصنف بالفاضح، الاختلاط الذي يُعرف قانونياً بـ”الدعارة”، التواجد في أماكن لا توجد فيها إضاءة كافية كالمقاهي أو بجوار بائعة شاي على الشارع العام، الرقص المختلط/ رقص النساء في وجود رجال (وهذا يصنف كفعل فاضح)، أو حيازة صور وفيديوهات على الهاتف قد يعتبرها شرطي النظام العام فاضحة أو مثيرة حتى لو كانت صورك الشخصية- وهذه جريمة تُسمى “حيازة المواد المخلة بالآداب”.

مؤخراً، تحوّلت المادة 152 من القانون الجنائي إلى أشبه بـ “الجوكر” في لعبة الورق، تنسحب على كل شيء ووفق طريقة غريبة فعلاً. هذه المادة متعلقة بالفعل والزي الفاضح، يُعاقب على أساسها أي مواطن أو مواطنة يتم تصنيف فعله أو مظهره بأنه فاضح، وبشكل مباشر تستهدف هذه المادة الفتيات في الفضاء العام.

يوميًا يتم اقتياد عشرات الفتيات من الأماكن العامة، مثل شارع النيل والأسواق والمطاعم والكافتيريات، بواسطة شرطي النظام العام الذي منحه القانون سلطة تقديرية واسعة، يقتادك بها إلى أقرب قسم نظام عام ويوجه لك التهم على أساس تلك المادة.

تبقى الفتيات تحت حراسة النظام العام حتى تحديد محكمة لهن، أو حضور ضامن ليقوم بإجراءات الضمان القانونية، فيُخلى سبيلهن حتى تحديد مواعيد للمحاكمة التي عادة ما تكون محاكمة إيجازية، يتم فيها تقديم المتهمة وعرض التهمة على القاضي ليقرر مباشرة العقوبة وعادة ما تكون الجلد أو الغرامة، والسجن لمدة شهر في حالة العجز عن دفع الغرامة.

لا يُستثنى الرجال بدورهم من تهمة “ارتداء الزي الفاضح” في حال ارتدائهم لسروال (بنطلون) قصير أو ضيّق أو أي تصميم يراه الشرطي، بشكل استنسابي، غير ملائم أو غير محتشم.

نموت ليبقى القانون

لا تنتهي عقوبة هذه المواد بالجلد أو الغرامة أو السجن فقط. هناك مواطنون ومواطنات فقدوا أرواحهم بسبب هذه القوانين وبسبب ممارسات شرطة النظام العام؛ فالمواطنة السودانية عوضية عجبنا تسكن في حي الديم في الخرطوم، كان “النظام العام” قد أرداها قتيلة أثناء مشاجرة أمام منزلها. كذلك، قُتل الشاب سامر الجعلي داخل سيارته برصاص شرطة النظام العام في شارع النيل؛ لأن الشرطة اشتبهت في وجود فتاة معه بالسيارة، وامتنع عن التوقف لتفتيشه.

وفقاً للمادة 78 من القانون الجنائي السوداني، يُمنع تناول الكحول ويتعرض من يتم القبض عليه وهو مخمور للجلد أربعين جلدة، وقد حدث أن توفي شابان داخل أقسام الشرطة بعد أن وقعت عليهم عقوبة الجلد بسبب تناولهما الكحول.

نذكر هنا أن صنع الخمر البلدي، المسمى شعبياً بـ”العرقي”، ممنوع أيضاً، لكن يتم استهلاكه بنسب كبيرة؛ لأنه الحل الوحيد في ظل منع الحكومة استيراد أي نوع من أنواع الخمور الأخرى، وتتعرض النساء العاملات في هذا المجال لمداهمات واعتقالات مستمرة، وتتم محاكمتهن وتغريمهن أو سجنهن إثر ذلك. وعادة ما تكون المداهمة حدثاً مخيفاً في حدّ ذاته، إذ يتخللها عنف من أفراد النظام العام وسوء معاملة… وكانت إحدى المداهمات أودت بحياة طفلة عمرها 6 أشهر وعدد من الرجال والنساء؛ لأنهم حاولوا المقاومة والهرب إلى النيل القريب من مكان الحدث.

دولة تقفز عبر الحائط

عادة ما يجد منفذو هذا القانون أسباباً للتجريم، ويمتازون بقدرة على التنقيب في نوايا ودوافع الأفراد لإثبات وقوع جريمة ما، ومن ثم تنزيل العقوبة بهم. مؤخراً، اقتحم أفراد الشرطة منزلاً تقطنه أسرة كان بضيافتها عدد من الأصدقاء، ووقعت عليهم عقوبة الجلد بسبب الضيوف. تمّ تغريم الزوج والزوجة، أصحاب المنزل، لاستضافتهم أشخاصاً لا توجد بينهم علاقة شريعة… لوقت متأخر من الليل!

ويحق لأفراد النظام العام تسوُّر البيوت واقتحامها في حال شكّوا بوجود أي اختلاط في المنزل، وعادة ما يُحاكم المتهمون تحت المادة 151 الخاصة بالأفعال الفاضحة، أو المادة 154 الخاصة بممارسة الدعارة.

وقد عرّف القانون الجنائي المادة الخاصة بـ”الدعارة” بأنها “التواجد في مكان ممارسة الدعارة وليس ممارستها فعلياً”، فمجرّد وجودك في المكان كاف جداً لتوجيه التهمة.

لكن ما مكان ممارسة الدعارة وفقاً لهذا القانون؟ يعرفّه القانون بأنه “أي مكان معد لاجتماع رجال ونساء لا تقوم بينهم علاقات زوجية أو صلات قربى وفي ظروف يرجح فيها حدوث ممارسات جنسية”، الخلط بين فعل الممارسة ذات نفسه ومجرد التواجد في المكان وتعريف المكان بناء على الترجيح والاحتمالية أمر مدهش ومخيف بحق، ويضعنا كمواطنين في حالة من التهجّس الدائم، ويجعلنا عرضة لاقتحام منازلنا وأماكن عملنا وغيرها بسبب هذا التعريف المُخلّ والفضفاض.

في الخرطوم، تستيقظ مبكراً، بمزاج هادئ وأمل في الحياة. تقرّر الذهاب لمشاهدة شروق الشمس على شاطىء النيل، لتتفاجأ بيد تمتد لتشدّ على كتفك. تلتفت فتجد شرطياً غاضباً يشدك بقسوة ويقتادك إلى قسم الشرطة وسط حيرتك وارتباكك. وهناك تعرف أن تهمتك هي “مشاهدة شروق الشمس”..

تتراوح التهم، تحت منظومة النظام العام، ما بين ارتداء الزيّ المصنف بالفاضح، الاختلاط الذي يُعرف قانونياً بـ”الدعارة”، التواجد في أماكن لا توجد فيها إضاءة كافية كالمقاهي، الرقص المختلط/ رقص النساء في وجود رجال (وهذا يصنف كفعل فاضح)..

متى بدأ هذا الجنون؟

بتجاهل شديد لحاجة الناس لتمثُل مشترك للعدالة، أو ما أسماه آلان سوبيو بالرهانات الأخلاقية والاقتصادية والاجتماعية التي تمنح التقنية القانونية معنى، شرع الإسلام السياسي بصكّ القوانين التي غيّرت حياة الناس اليومية وبدّلت العادي بالمجَرَّم والممنوع.

بدأ إقحام الشريعة الإسلامية في القوانين السودانية في سبتمبر 1983، عبر ما سُمي وقتها بـ”قوانين سبتمبر”، حيث أُدخلت الحدود، كالجلد والقطع كعقوبات، وتمّ صبغ كافة أوجه الحياة بفهم ديني، كما أُغلقت الحانات والملاهي الليلية وتمّ تقييد حركة النساء.

يحاول الحزب الحاكم، منذ عام 1989، مواصلة هذه المسيرة. غذّى انقلابه العسكري بشعارات دينية تهتف بإحياء الشريعة وإعادة أمجاد الدين وأسلمة الحياة، كما فُرضت أوامر محلية لكل ولاية على حدى تُسمى بقوانين النظام العام، وتمّ ضمّ مواد من القانون الجنائي ليتم محاكمة المتهمين فيها بواسطة محاكم النظام العام، ووقف على أمره أفراد شرطة سُموا بـ”شرطة النظام العام”، ليصير الأمر أشبه بإمبراطورية خوف ضخمة تسحق كل من يجرؤ ويمارس حريته الشخصية.

تُحيلنا مسألة النظام العام إلى تساؤل حول حق الدولة في التدخل في الحياة الخاصة لمواطنيها، وحول حق الحزب الذي يحكم في تلوين الحياة العامة بافتراضاته وأيديلوجيته التي يفترض فيها صحة مطلقة.

ولكم أن تتخيلوا كيف تمضي الأمور بشكل يومي هنا في السودان!

*صحافية ومدافعة عن حقوق الإنسان من السودان

 

تعليقات من فيسبوك

Comments

comments

شاهد أيضاً

روحاني مهددا الدول الداعمة لمنفذي هجوم الأهواز: ردنا سيكون مدمرا

صوت العرب – طهران – تحدث رئيس الجمهورية الإيرانية، حسن روحاني، اليوم السبت، بشأن الهجوم …

تابعوا اخر الأخبار على صوت العرب

Translate » ترجم الموقع لأي لغة في العالم