فيلم" هواجس الممثل المنفرد"....هواجس فنان...واسئلة وطن - صوت العرب أونلاين
المتواجدون حالياً على الموقع


الرئيسية / أُخَرُ الأَخْبَار / فيلم” هواجس الممثل المنفرد”….هواجس فنان…واسئلة وطن

فيلم” هواجس الممثل المنفرد”….هواجس فنان…واسئلة وطن

رسمي محاسنة

لأن المخرج “حميد بن عمرة” مسكون بالذاكرة، فان فيلمة” هواجس الممثل المنفرد بنفسه” يصيبك بالعدوى، وتخرج من الفيلم مسكونا، ومحملا باسئلة القلق، عن هذا التشظي على المستوى الشخصي، والعام، وتلك الاحلام التي نمسك بها بقوة، حتى لاتفلت من بين ايدينا بسبب هذا الواقع الذي يقفز بالمجهول.

لو قرأنا الفيلم قراءة متسرعة، فانه عن نجم المسرح الجزائري، واحد رموزة، الفنان ” محمد ادار” صاحب الرصيد الكبير من الاعمال والسنين في معبد المسرح، لكنه رغم كل ماقدمه من ابداع لم تلتفت اليه السينما، لكنه في العمق ،يدخل المخرج” بن عمرة” مستحضرا ذاكرته الطفولية المبكرة، منذ ان كان ابن عشر سنوات،ليبحر عبر ذاكرة” ادار”، لكنها ليست السيرة الذاتية لفنان، بمقدار ماهي بانوراما، واطلالة على وضع عام للجزائر، يمتزج فيه الثقافي بالسياسي بالاقتصادي، هذا الوضع الذي نتج عنه حالة من الاغتراب والانفصال، فكما ان” ادار” ابقته السينما على الهامش، فان هذا الواقع الذي انتجته الطبقة السياسية، غيّب رموز وطنية وثقافية، كان لها دور في تحرير ونهظة الجزائر، تم تغييبها لصالح اسئلة مازالت عالقة في الوجدان الجزائري.

المخرج” بن عمرة” يدخل بهذا الفيلم مغامرة المزج مابين التسجيلي، والروائي، والتجريب بعيدا عن السائد، انه يذهب الى السينما الخالصة الصادقة، ومعه ممثل يتداخل عنده الحلم بالقلق وبالهواجس، والحنين، وباداء عفوي، يحمل موهبة وابداع وخبرة السنين، كل ذلك في اطار التماهي مابين المخرج والبطل، وبينهما كاميرا حساسة ترصد التعابير ونبرة الصوت، وتوثق المكان بجماله وضجيجة، وبالاسئلة المحاصرة مابين الماضي والحاضر، والانساني الذاتي والفني،هذا التزاحم الذي تفيض به الذاكرة، وعدم اليقين من اللحظة الراهنة.لكنها ليست اسئلة المخرج وبطله، انما الاسئلة التي تطل برؤوسها من دواخلنا،وكل واحد يستطيع اسقاط هذه الذكريات والاسماء والمصائر على واقعه وواقع بلده، وهنا تتجلى قيمة الفيلم، بتداعياته التي تبدأ بهاجس الوقت، والخوف من خذلان الزمن، ليبدأ “ادار” رحلة الى وجهة غير معلومة، وكأن القطار اّلة لدخول الزمن، وحلما مفقودا، ومابينهما من خيبات، عاشتها الجزائر، وعايشها البطل بالاقصاء وغيره بالتهميش والتهديد، ومحاولة مستمرة لاغتيال حلم ذلك الطفل، الذي هو الاخر سافر الى فرنسا مبكرا، واصبح مخرجا للفيلم.

ويستدعي “بن عمرة” من ذاكرة” ادار” مسرحية من اعمال الثمانينات” الاسكافي”،هذه الشخصية التي التي تحلم بدخول العمل السياسي من خلال تأسيس حزب، تمهيدا للترشح للانتخابات الرئاسية،وهو استحضار ذكي، في مقاربة مابين احلام الشخصية المسرحية، ومابين حلم التغيير لمرحلة انعطاف حرجة عاشتها الجزائر،ويستمر الفيلم بطرح اسئلة الذكريات، والغياب والرحيل، وهواجس اقتحام الزمن، وتلك المسافة التي تتسع مابين الواقع الصعب، وما بين المشتهى.


وفي الوقت الذي يسكب فيه الفنان” ادار” خبرته، ليقدم اداءا مدهشا، مع مخرج تعامل بحب مع كل لقطة، كان هناك الممثلة ” ستيفاني” بدور الراوي باللغة الفرنسية، التي كانت تهيء لمشهد، او تفسر، او تعطي فضاءات اكثر اتساعا،وبحضور كبير، لتكون لغة الفيلم اكثر اتساعا ايضا،لان احد اسئلة الفيلم تتمحور حول سؤال الانا، ليس ” انا المفردة”، انما ” انا وانت” فالسينما هي لغة انسانية، حتى وهي تبحر في المحلية، وهناك الطفلة” هناء بن عمرة” التي ادت ادوار طفولة الممثل والمخرج، للانتقال بين اكثر من زمن.

ويستخدم ” بن عمرة” مخزونه الكبير من اللقطات الارشيفية ،ومفردات لها علاقة بالبيئة، البحر والقارب والخيل، وبالطبع الموسيقى التي وزعها على الفيلم لتعمق الاحساس بالمكان ودواخل الشخصيات.وصورة مدهشة، بتكويناتها المرسومة بدقة، كل ذلك بايقاع متناغم مابين ايقاع الاحداث وايقاع الشخصية، بهذه الحرفية وسلاسة التنقل مابين الازمان، ومابين الحالات النفسية المتباينة للشخصيات. .

فيلم ” هواجس الممثل المنفرد بنفسة”،يستحق التوقف عند كل مشهد،فهو يضج بالاحاسيس المتباينة، في اطار مشهدية بصرية مشغولة باحترافية عالية، ولعل مشهد القطار المتجه بلا عنوان، والحصان الذي يحمل “ادار” الى جهة غير معلومة، يمكن اسقاطها على الافراد وعلى الدولة، فالرؤية غائمة، والاسئلة ثقيلة، والسباق مع الزمن ليس في صالح احد.

عندما تعرف المخرج” حميد بن عمرة” عن قرب، فان هذه المعرفة تعطيك مفاتيح اكثر لفهم افلامه،فهذه الذاكرة للبطل المليئة بالهواجس والاسئلة، هي قريبة من اسئلة وهواجس” بن عمرة”، وهي حكما قريبة ايضا من اسئلة المواطن، والوطن.

شاهد أيضاً

العفو الدولية “أمنستي” : إعدامات السعودية انتهاك صارخ للقانون الدولي

لندن – صوت العرب – قالت منظمة العفو الدولية (أمنستي) إنّ الإعدام الجماعي الذي نفذته …

تابعوا اخر الأخبار على صوت العرب