خريطة الانتخابات العراقية : تضاريس وعرة ومنعرجات ضيقة! – صوت العرب
المتواجدون حالياً على الموقع


الرئيسية / أُخَرُ الأَخْبَار / خريطة الانتخابات العراقية : تضاريس وعرة ومنعرجات ضيقة!

خريطة الانتخابات العراقية : تضاريس وعرة ومنعرجات ضيقة!

 

*د.عبد الحسين شعبان – صوت العرب 

أعلنت مفوضية الانتخابات في مؤتمر صحافي ببغداد عن تسجيل 88 قائمة انتخابية و205 كياناً سياسياً و27 تحالفاً انتخابياً لخوض الانتخابات المقبلة المقررة في 12 مايو (أيار) المقبل (2018).

وبلغ عدد المرشحين لهذه الانتخابات 6904 مرشحاً قياساً بمرشحي الانتخابات السابقة العام 2014،  الذي بلغ تسعة آلاف مرشح وهذه ملاحظة أولى تتعلق بعزوف نسبي عن الترشّح للبرلمان، بسبب كثرة الانتقادات، بل والاتهامات التي تعرّض لها النواب خلال السنوات الماضية. أما في المحافظات الثلاث لإقليم كردستان إربيل والسليمانية ودهوك، فقد تقدّم 173 مرشحاً عن محافظة إربيل يمثلون 27 حزباً وتحالفاً للمنافسة على 16 مقعداً، منها واحد بما يسمى ” المكوّن المسيحي”، بينما تقدّم في السليمانية 211 مرشحاً عن 26 حزباً وتحالفاً للتنافس على 18 مقعداً، وفي دهوك تقدّم 115 مرشحاً من 24 حزباً وتحالفاً لإشغال 12 مقعداً، منها واحد للمسيحيين.

ويخضع المرشحون قبل الموافقة على تقدّمهم إلى الانتخابات لتدقيق عديد من الجهات الرسمية بينها القضاء وهيأة النزاهة وهيأة العدالة والمساءلة وهي الجهة المعنية بمتابعة ملف ” اجتثاث البعث”.

وتوزّعت المقاعد المخصصة لعموم محافظات العراق على 328 مقعد، هي كما يلي: إربيل 16 ، الأنبار 15، البصرة 25، السليمانية 18، القادسية 11، المثنىالنجف 12، بابل 17، بغداد 71، دهوك 12، ديالى 14، ذي قار 19، صلاح الدين 12، كربلاء 11، كركوك 13، ميسان 10 ، نينوى 34، واسط 11 مقعداً.

وتجري الانتخابات في 18 “دائرة انتخابية” تمثّل عدد محافظات البلاد، إضافة إلى محطات انتخابية في الخارج قدّر عددها ب 684 في 19 دولة وينتخب كل منها بين سبعة إلى 34 نائباً استناداً إلى التعداد السكّاني لكل منها، فيما يتم تخصيص ثمانية مقاعد لما يسمّى بـ “الأقليّات”، والمقصود بذلك ” المجموعات الثقافية الدينية والإثنية”، وسيتحدد موعد انطلاق الحملات الانتخابية للكيانات المشاركة في وقت لاحق، وهو ما أعلنه رياض البدران رئيس الإدارة الانتخابية. وقالت مفوضية الانتخابات إن 24 مليون عراقي من بين 36 مليون نسمة هو عدد سكان العراق يحقّ لهم التصويت في الانتخابات المقبلة. وتمتّد ولاية مجلس النواب العراقي القادم إلى أربع سنوات (أي إلى العام 2022).

وباستثناء انتخاب رئيس الوزراء من داخل البرلمان يتعيّن على الأحزاب التي تتقاسم المقاعد النيابية الاتفاق على رئيس الجمهورية ورئيس البرلمان وفقاً لصيغة سمّيت “الديمقراطية التوافقية”، ويفترض فيها أن تكون صيغة مؤقتة ومرحلية، لكنه حسبما يبدو ظلّت مستمرة فاستطيبها “الغرماء” في ظل المأزق الذي تعاني منه القوى المؤتلفة والمختلفة، حيث انعقد مثل هذا الرباط بينها منذ الاحتلال الأمريكي العام 2003  متفتّقاً عن تلك “الصيغة السحرية” التي طبعت المشهد السياسي، سواء في “مجلس الحكم الانتقالي” أم دستور المرحلة الانتقالية لعام 2004 أم الدستور الحالي الدائم لعام 2005.

وتقوم التوافقية السياسية على المحاصصة والتقاسم والوظيفي الإثني والطائفي، في نظام أقرب إلى ” الغنائمية ” الذي يعتمد على ” الزبائنية ” والأتباع للحفاظ على نوع من التطامن القلق والذي لا يمكن تغييره بسهولة، لأنه كُرّس على نحو شبه مباشر في الدستور، فيما سمّي بمصطلح “المكوّنات” الذي ورد ذكره 8 مرّات وهو ليس سوى صيغة تقاسم خارج دائرة المواطنة والمساواة. وعلى الرغم من شكوى الجميع منه لكنهم ما زالوا يتمسّكون به لتقاسم الرئاسات الثلاث، حيث أن رئاسة الجمهورية هي من حصة الأكراد ورئاسة الوزراء للشيعة ورئاسة البرلمان للسنة. وتتطلب المقاعد البرلمانية للحصول على الأغلبية أن يكون لدى الكتلة الأكبر 165 مقعداً.

خلفيات انتخابية

تعتبر الانتخابات الحالية 2018 هي الانتخابات الرابعة منذ الغزو الأمريكي للعراق العام 2003، والثانية منذ الانسحاب الأمريكي العام 2011، وتكمن أهميتها أنها تأتي بعد القضاء على تنظيم الدولة الإسلامية ” داعش” عسكرياً وتحرير الأراضي العراقية منه، على الرغم من محاولات بعض جيوبه وخلاياه النائمة القيام بأعمال انتحارية بهدف زعزعة الثقة بالانتصار الذي حققه الجيش العراقي بدعم عربي وإقليمي، وخصوصاً من قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة.

كما أنها تأتي بعد نحو ثمانية أشهر من الاستفتاء الكردي للاستقلال  في 25 سبتمبر (أيلول) 2017  الذي زاد من تفاقم المشكلات واحتدامها بين إربيل وبغداد، خصوصاً حول قضايا عُقدية تستمر منذ عقود من الزمان، لدرجة أن مشكلة كركوك أصبحت معتّقة ومستعصية، إضافة إلى بعض المناطق المتنازع عليها (حسب المادة 140 من الدستور الذي زرع ألغاماً جديدة فيها).

وزاد المشكلة تعقيداً مسألة تصدير النفط من جانب الإقليم حيث تبلغ صادرات النفط نحو 300 ألف برميل يومياً وهي تمثّل 10% من تصدير إجمالي العراق، يضاف إلى ذلك مسألة المطارات والمنافذ الحدودية التي تطالب بغداد باستعادتها طبقاً للدستور، الأمر الذي ولّد ردود فعل حادة وتحرّكات عسكرية لفرض الأمن على كركوك وبعض المناطق المتنازع عليها وساهم ذلك في زعزعة الثقة المعطوبة أساساً.

وكان من ردود فعل الحكومة العراقية اتخاذ طائفة من التدابير والإجراءات والعقوبات لإرغام إربيل على الانصياع لمطالبها، لعلّ أهمها هو الامتناع عن دفع رواتب الموظفين الكرد من ميزانية الدولة، كما تم تخفيض حصة الإقليم من الميزانية من 17% إلى 14.4%، من جانب مجلس النواب ، حيث كان قد تمت زيادتها من 13% قبل الاحتلال إلى 17% في إطار صفقات سياسية بتدخلات من قوى الاحتلال والجماعات المحسوبة عليه العام 2005.

وكان من المقرّر أن يكون موعد الانتخابات في 15 مايو (أيار)، إلّا أنه تم تقديم الموعد إلى 12 مايو (أيار) لاحتمال مصادفة 15 مايو (أيار) 2018 لأول أيام شهر رمضان. وبعد خلافات في مجلس النواب حول تأجيل موعد الانتخابات قرّرت المحكمة الإتحادية العليا عدم جواز تغيير موعد الانتخابات، وأن تُجرى في موعدها المقرر يوم 12 مايو (أيار)، وقد صوّت المجلس على قانون الانتخابات وصادق على موعدها وأصدر رئيس جمهورية العراق، فؤاد معصوم، مرسوماً جمهورياً حدّد فيه يوم 12 مايو (آيار) الموافق ليوم السبت موعداً للانتخابات.

النظام الانتخابي

تعتبر القائمة المفتوحة الأساس في انتخاب مجلس النوّاب وذلك باستخدام المحافظات كدوائر انتخابية. ويستخدم نظام سانت ليغو المعدّل وفقاً للحكم الصادر عن المحكمة الاتحادية العليا في العراق التي اعتبرت أنّ “النظام السابق” يقلّص من فرص الأحزاب الصغيرة الحجم وإنْ ظلّ هذا النظام الانتخابي يحمل عيوب النظام الذي سبقه، لاسيّما بتحديد العتبة الانتخابية. وهنالك ثمانية مقاعد مخصّصة للمجموعات الثقافية الدينية والإثنية على عموم العراق (المسيحيون والإيزيدون والصابئة المندائيون).

وقد قرّر مجلس النواب أن يكون التصويت إلكترونياً في جميع المناطق من خلال استخدام أجهزة العدّ والفرز الإلكتروني، خصوصاً بتكثيف أعداد المراقبين المحليين والدوليين.  وكان من المقرّر أن تجري الانتخابات في سبتمبرأيلول2017حيث تأخّرت لمدة ستة أشهر بسبب الحرب ضد داعش التي انتهت في  ديسمبر(كانون الأول) 2017  بتحرير الأراضي العراقية من سيطرته عليها. وكانت هناك مطالبات بتأجيل الانتخابات إلى ستة أشهر للسماح للناخبين المشرّدين بالعودة إلى ديارهم، بل هناك من وصف إجراءها الآن بأنه محاولة انقلابية ضد العملية السياسية، لكن ذلك لم يغيّر من حقيقة الأمر وهي إمكانية إجرائها في الوقت الذي تم الاتفاق عليه وحسم الجدل بشأنه.

وباستثناء البعثيين وبعض الأشخاص المحسوبين عليهم وهم ممنوعون من مزاولة العمل السياسي بموجب قانون “اجتثاث البعث” وربيبه ” قانون المساءلة والعدالة” ، فإنه لم تبرز قوة سياسية وازنة تدعو إلى مقاطعة الانتخابات، على الرغم من أن الطيف الذي يشكّك بنزاهتها وصدقيتها وإمكانية إجراء تغيير بواسطتها واسعاً وكبيراً، خصوصاً حالة الإحباط والقنوط التي أصيب بها المواطن العراقي، جرّاء استمرار تدهور الحال وسوء الخدمات واتساع نطاق البطالة والأمية، إضافة إلى ظواهر العنف والإرهاب التي أصبحت متفشية ومستشرية في المجتمع العراقي، ولاسيّما باستمرار الفساد والرشا وهدر المال العام مترافقة مع نظام المحاصصة الإثني والطائفي الذي يُطبقُ مثل الكابوس على صدر العراقيين.

تفاصيل من داخل المشهد

لم يخلُ المشهد السياسي من بعض المفارقات المثيرة للسخرية، فبعد صراع ماراثوني معلن ومستتر توصل حزب الدعوة الإسلامية إلى حل “ديمقراطي” ألا وهو خوض الانتخابات بتحالفين منفصلين: تحالف لما يسمّى ائتلاف النصر يقوده رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، في حين يرأس سلفه نوري المالكي تحالفاً قديماً كان العبادي أحد أقطابه وهو دولة القانون، واحتكم المتصارعان إلى صيغة وسط بأن أعطيا لأعضاء حزب الدعوة “الحرية” في دخول أي قائمة وانتخاب أياً منهما.

وكثيراً ما يتردّد في الكواليس السياسية أن ثمة تداخلات إقليمية حرصت على عدم انشطار الحزب بصورة نهائية وضغطت على الطرفين لقبول هذه الصيغة. ومن يدري فقد يعود الغريمان للتحالف مجدداً، لاسيّما إذا اقتضت المصالح بعد الانتخابات لكي تشكل القائمتين  مع حلفاء آخرين الكتلة الأكبر، ليكون لهم حق اختيار رئيس وزراء منها.

وإن كان العبادي نقطة وسط :التقاء واختلاف، بين الولايات المتحدة وإيران فهو لا يلبي ما تريده طهران بالكامل، لكنه لا يعارضها بوضوح، مثلما هو يستجيب لواشنطن ولندن، لأنه  يدرك أن وجود قواعد عسكرية أمريكية مباشرة أو غير مباشرة وفي إطار اتفاقية الإطار الاستراتيجي سيكون عاملاً أساسياً في استمرار صيغة الحكم الراهنة ، فإن المالكي قطّع صلاته مع الحليف الأمريكي الذي منحه ولايتين، وإنْ كان توقيع الاتفاقية الأمنية العراقية- الأمريكية في عهده (العام 2008) وهي الاتفاقية التي لم يتم الاستفتاء عليها شعبياً كما تقتضي النصوص القانونية، لكن تلك المرحلة انتهت، خصوصاً بمنعه من الوصول إلى ولاية ثالثة.

أما تحالفات الحشد الشعبي فقد قامت بتأسيس ائتلاف الفتح وتشكل أعضاء التحالف الرئيسيين من” منظمة بدر” و”عصائب أهل الحق” و”كتائب حزب الله” و”كتائب الإمام علي، وغيرها وجميعها مقرّبة من إيران. وكانت منظمة بدر بقيادة هادي العامري، جزءًا من الائتلاف الحاكم في “دولة القانون”، ولكنها أعلنت انسحابها في ديسمبر(كانون الأول)  2017 ووقعت مع العبادي اتفاقاً لإنشاء تحالف “نصر العراق”، إلّا أن تحالف “الفتح” أعلن انسحابه من تحالف النصر فيما بعد.

وأعلن عمّار الحكيم زعيم تحالف المواطن، ثالث أكبر كتلة في البرلمان في يوليو (تموز)  2017، مغادرته المجلس الإسلامي الأعلى، والذي تأسس في طهران العام 1982 خلال الحرب العراقية – الإيرانية بقيادة من محمد باقر الحكيم الذي ذهب ضحية حادث تفجير في النجف بعد الاحتلال (يوليو/تموز/2003) وقاده من بعده شقيقه عبد العزيز الحكيم ، ثم انتقل إلى قيادة عمّار الحكيم، الذي شكّل حركة جديدة تسمى ” تيار الحكمةمديراً ظهره للمجلس الإسلامي الأعلى وقد انضم إليها الغالبية الساحقة من النواب الذين كانوا على حساب المجلس الإسلامي الأعلى باستثناء 5 نواب وانضم تيار الحكمة إلى تحالف العبادي لدخول الانتخابات ، لكنه عاد وانسحب منه.

وداخل الأحزاب الكُردية، حدثت تغييرات دراماتيكية كبيرة منذ الانتخابات السابقة، خصوصاً بعد وفاة كل من جلال طالباني زعيم حزب الاتحاد الوطني الكردستاني في 3 اكتوبر (تشرين الأول) 2017 وزعيم المعارضة ورئيس كتلة التغيير “كولان” نوشيروان مصطفى في  سبتمبر (أيلول2017، وشكّل برهم صالح رئيس وزراء كردستان العراق السابق ونائب أمين عام  الاتحاد الوطني الكردستاني حزباً معارضاً جديداً “الائتلاف من أجل الديمقراطية والعدالة”. وقال أنه يأمل في جمع أحزاب المعارضة الأخرى كافة، بما في ذلك حركة التغيير (الكتلة الأكثر حيوية) والجماعة الإسلامية وكتل أخرى، لتحدّي التحالف الحاكم بين الحزب الديمقراطي الكردستاني وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني. وهما الحزبان المتحاصصان اللذان حكما كردستان منذ العام 1992 طبقاً لصيغة 50×50 بعد أول انتخابات جرت إثر انسحاب القوات العراقية والإدارة الذاتية والمالية من كردستان أواخر العام 1991 أثر ضغوط دولية بفرض “الملاذ الآمن”. 

وشكّلت الأحزاب الثلاثة ائتلافاً يسمى “نيشتمان” ويعني “الوطن” للعمل في الانتخابات وقد وافق التحالف الحاكم بين الحزب الديمقراطي الكردستاني وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني على الترشّح مرة أخرى كقائمة واحدة وناقشت جميع الأحزاب الكُردية في كركوك النزول كقائمة واحدة، ولكن الحزب الديمقراطي الكُردستاني أعلن عن مقاطعته الانتخابات في كركوك إثر ما حصل فيها وكان قد اتهم بعض حلفائه بالتواطؤ الذي وصل حدّ الخيانة دون أن يسميهم بالاسم.

وفي إطار ما يسمّى الأحزاب العربية السنية بدأ الائتلاف الرئيسي لتحالف الإصلاح (متّحدون) بقيادة أسامة النجيفي الذي فاز ب 23 مقعداً في عام 2014 مرّة أخرى وتحالف هذه المرّة مع رجل الأعمال خميس الخنجر الذي قرّر دخول الانتخابات، حيث تم تشكيل تحالف باسم “القرار العراقي” وانضمت إليه مجموعات سنّية أخرى، في حين قرّر رئيس البرلمان العراقي سليم الجبوري الذي شكّل كتلة سياسية خارج نطاق الحزب الإسلامي الذي عانى من انسلاخات متعدّدة وزعيم إئتلاف العربية صالح المطلك دخول قائمة إئتلاف الوطنية بزعامة إياد علاوي الذي ينحدر من عائلة شيعية.

أما التيار الصدري فقد أسس حزب الإستقامة والذي سيرأسه النائب السابق ” جعفر الموسوي” وقد تحالف معه  الحزب الشيوعي العراقي وعدد من الكتل الصغيرة الأخرى، وذلك تحت اسم ” سائرون”، وهو ما أثار تقوّلات أقرب إلى التندّر حول التحاق الحزب الشيوعي بجماعة السيد الصدر.

وعلى الرغم من أن “طبق السياسة” هو غير “طبق الآيديولوجيا”، لكنني أعتقد أن أي تحالف بين تيار ديني ، ولاسيّما واسع ومؤثر وجماهيري مثل جماعة الصدر وتيار يساري وماركسي مطلوب ومهم بل وضروري، شريطة عدم التخلّي عن الصراع الفكري وعدم إخفاء الأهداف البعيدة المدى لكلّ منهما لأن الصراع الدائر هو ليس حول قيم السماء، بل على ما يجري في الأرض، الأمر الذي يمكن أن يخفّف من الاحتدامات الطائفية والتمترسات الدينية، خصوصاً إذا كانت هناك أهداف مشتركة تخصّ عموم الناس، مثل توفير الخدمات الأساسية: من كهرباء وماء وصحة وتعليم وعمل، إضافة إلى مكافحة الفساد والتمهيد للانتقال إلى حكم القانون في إطار الدولة المدنية .

ولعلّ أهمية الصراع الفكري تزداد في فترة التحالفات السياسية، وليس العكس، ويعتمد ذلك على إدارة هذا الصراع وقدرة كل طرف في التأثير بالآخر والحفاظ على استقلاليته.

 أما أعضاء التحالف المدني الديمقراطي وهو تحالف ضم قوى صغيرة وبعضها هامشي فقد شكّلوا مجموعة باسم “تقدم”، وهي خليط من قوى وجماعات بعضها من أصول يسارية وكان يطمح في الحصول على دعم من الحزب الشيوعي، لكن الأخير فضّل الرهان على الحصان الرابح، مثلما ضمّ جماعات بعضها امتدادات لقوى سياسية من الكتل الكبيرة. وكانت هذه الانتقالات السريعة سبباً في إحداث نوع من الارتباك داخل صفوف الشيوعيين واليساريين من الجماعات المدنية وغير الدينية، بل إن بعضها أصيب بإحباط لدرجة أن المشهد السياسي ازداد قتامة في صفوفها. وأعلنت زعيمة “حركة إرادة” حنان الفتلاوي المنافسة ب7 محافظات بقائمة منفردة، وهكذا أصبح الطموح بالوصول إلى البرلمان هو الأساس لما يوفّره من امتيازات وليس التسابق على خدمة الناس في برامج ومبادرات مختلفة .

وبإجمال يمكن القول إن القوى الشيعية الرئيسية هي خمسة:

الأولى- النصر برئاسة العبادي

الثانية- الفتح برئاسة هادي العامري

والثالثة- دولة القانون برئاسة نوري المالكي

والرابعة- الحكمة برئاسة عمار الحكيم

والخامسة- الصدر ودخلت الانتخابات تحت عنوان ” سائرون” وقد ظلّت هذه الأخيرة بعيدة عن إيران منذ العام 2012، حيث كانت تسعى لسحب الثقة من المالكي بالتعاون مع كتلة ائتلاف القائمة العراقية بقيادة إياد علاوي والحزب الديمقراطي الكردستاني برئاسة مسعود البارزاني، وفي العام 2014 شكّلت كتلة مستقلة باسم ” الأحرار”، لكنها سرعان ما طوت هذا الملف متنقلة بطريقة بندولية بين ما هو قائم وبين الرغبة في إحداث تغيير جذري كما ترفع من شعارات .

يذكر إن تصريحات مساعد المرشد الأعلى السيد الخامنئي، علي أكبر ولايتي مستشار الشؤون الدولية كان قد قال في بغداد أن إيران لن تسمح لليبراليين والشيوعيين بالحكم في العراق، لكن رسالته حسبما يبدو موجهة إلى النجف وتحديداً إلى الزعيم الشيعي السيد علي السيستاني، بما فيها السيد الصدر، وقبله وبعده انطلقت حملات مصحوبة بالكراهية ضد حركات الاحتجاج الشعبية التي تطالب بالإصلاح ومكافحة الفساد وضد فكرة الدولة المدنية.

ويبدو أن مجلس النواب سيشهد المزيد من الرمال المتحركة والانتقال السريع للقوى والجماعات السياسية، لكن النتائج الأولية  ليست بعيدة عن التضاريس الوعرة التي لا يمكن اختراقها والمنعرجات الضيقة التي لا يمكن القفز فوقها أو تجاهلها، الأمر الذي سيحتاج معه إلى تداخلات خارجية دولية وإقليمية وربما إلى عملية قيصرية لإعادة تشكيل المشهد السياسي أو ترميم العملية السياسية وفقاً لنظرية التخادم السياسي وتوازن المصالح واتفاقها.

*أكاديمي ومفكر عراقي

نائب رئيس جامعة اللاعنف

تعليقات من فيسبوك

Comments

comments

شاهد أيضاً

شرط جديد لزواج السعوديات من أجانب

صوت العرب – وكالات – وضعت وزارة الداخلية السعودية شرطا جديدا لزواج السعوديات من أجانب. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Translate » ترجم الموقع لأي لغة في العالم