ثقافة " حلف الفضول" - صوت العرب
المتواجدون حالياً على الموقع


الرئيسية / أُخَرُ الأَخْبَار / ثقافة ” حلف الفضول”

ثقافة ” حلف الفضول”

 

*د.عبد الحسين شعبان


صوت العرب : بيروت


إذا كانت الأمم والشعوب والبلدان تؤكد على رافدها الثقافي لحقوق الإنسان، فمن حق العرب والمسلمين أن يعتزوا برافدهم التاريخي للفكرة الكونية أيضاً. ولعلّ مناسبة الحديث هذا هو الذكرى الـ 70 لصدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (10 ديسمبر/كانون الأول/1948)، والتئام  المؤتمر الدولي “لمنتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة” في أبو ظبي (دولة الإمارات العربية المتحدة) تحت عنوان : “حلف الفضول: فرصة للسلام العالمي”.


وفي مثل هذه المناسبات  فإن الدول تتبارى في كل عام لإظهار التزامها بالشرعة الدولية لحقوق الإنسان، خصوصاً وقد أصبحت معياراً لا غنى عنه لقياس تقدّم أي بلد أو مجتمع أو جماعة بشرية. وعلى الرغم من التقدم الذي أحرزته بعض البلدان العربية في هذا الميدان، إلّا أنه يظلّ دون المستوى المطلوب، علماً بأن ليس بإمكان مجتمع ما أو دولة ما إعفاء نفسها أو غضّ الطرف عن مدى التزامها بها.


وإذا كان البريطانيون يفخرون بوثيقة الماغنا كارتا ” العهد العظيم” الصادرة عام 1215، والأمريكان بإعلان الدستور عام 1776 ويعتبرونه النواة الأساسية لحقوق الإنسان، والفرنسيون بوثيقة “حقوق الإنسان والمواطن” بعد الثورة الفرنسية العام 1789 ويعتبرونها الانطلاقة الأولى لحقوق الإنسان، والروس بمبادئ الثورة الاكتوبرية عام 1917 ،

خصوصاً ما له علاقة بحقوق الإنسان الجماعية وحق الشعوب في تقرير مصيرها، ويفعل أصحاب الحضارات القديمة من الصينيين والهنود واليونانيين والرومان مثلهم، فمن باب أولى للعرب الاحتفاء بأول جمعية لحقوق الإنسان في العالم ونعني بها ” حلف الفضول”، ناهيك عن الشذرات الأولى لحضاراتهم القديمة.


لقد نشأ “حلف الفضول” في أواخر القرن السادس الميلادي (من المرجح بين 590-595) حين اجتمع فضلاء مكة في دار عبدالله بن جدعان وتعاهدوا على أن ” لا يدعوا ببطن مكّة مظلوماً من أهلها ، أو ممن دخلها من سائر الناس، إلّا كانوا معه على ظالمه حتى تردّ مظلمته”. وإذا كان حلف الفضول (العربي) قد جاء في زمن الجاهلية، فإن الإسلام اتّخذ منه موقفاً إيجابياً، وحين سُئل الرسول محمد (ص) عنه فأشار ” شهدت مع أعمامي في دار عبدالله بن جدعان حلفاً لو أنني دُعيت إلى مثله في الإسلام لأجبت” علماً بأن النبي محمد (ص) كان قد ألغى جميع أحلاف الجاهلية باستثناء “حلف الفضول”، لأن الإسلام جاء دفاعاً عن المظلومين وعن حقوقهم وتأكيداً للكرامة الإنسانية بين البشر.


وإذا كان العرب في الماضي قد قاربوا فكرة حقوق الإنسان، ولهم رافدهم الثقافي بما يزيد عن 1400 سنة، فإن من حقهم ، بل ومن واجبهم أيضاً أن يقاربوا الفكرة المعاصرة بانفتاح ، خصوصاً وإن في تاريخهم ما يدعمها من وثائق ونصوص في مقدمتها وأولها القرآن الكريم ودستور المدينة والعهدة العمرية وغيرها، وهو ما تفعله الشعوب والأمم الأخرى حين تفتش عمّا يدعم الفكرة في تاريخها.


وعلينا اليوم أن ندعو العالم للتبصّر بحلف الفضول باعتباره أول وثيقة تقارِب فكرة حقوق الإنسان يلجأ إليها المظلوم مثلما يلجأ اليوم إلى المنظمات الدولية للدفاع عنه، فإن الخطوة الأولى تبدأ من داخلنا لتعميم ” ثقافة حلف الفضول” ومنع الظلم عن سائر الناس وردّ الحقوق إليهم. وهو ما أكّده “منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة ” بدعوته إلى التفكير بوضع خارطة طريق وتقديم مبادرات لتحقيق أهداف حلف الفضول الجديد وترسيخ وتطوير نموذج “قوافل السلام ليصبح آلية للتعايش ” انطلاقاً من القيم المشتركة .


وكانت مبادرة عدد من المثقفين والحقوقيين العرب منذ أربعة عقود من الزمان  باستعادة الإرث الثقافي العربي انطلاقاً من فكرة “حلف الفضول ” أسوة ببقية الأمم والشعوب قد لقيّت صدى إيجابياً أولياً لدى المجتمع المدني العالمي، وقد آن الأوان لتعبئة الجهود العربية والإسلامية الرسمية وشبه الرسمية لوضعها موضع التطبيق من جانب الأمم المتحدة التي أوردت الإشارة إلى حلف الفضول في العام 2007 برسالة من المفوضية السامية لحقوق الإنسان بعد مخاطبات عديدة.


ولا شكّ أن هذه الاستعادة تمنحنا ثقة ومكانة دولية أكبر، فالعرب ليسوا كياناً متناقضاً مع حقوق الإنسان بالفطرة أو متصادماً معها ثقافياً حسب وجهة النظر الغربية السائدة، التي تستند إلى سجلهم الحالي بخصوص حقوق الإنسان، وهو غير مشجّع، بما يعطي المبرّر لمثل هذا التصوّر المهين إذا افترضنا حسن النية وعدم التغوّل عليهم أو التربص بهم.


العرب معنيون مثل غيرهم بحقوق الإنسان دفاعاً عن حقهم القومي في الوجود وهويّتهم الخاصة في الانبعاث وتقرير المصير وتحقيق التقدّم وفقاً لخصائصهم الثقافية والدينية، دون إهمال التطور العالمي في هذا الميدان أو التحلّل من التزاماته ذات الطبيعة الشمولية وغير القابلة للتجزئة.


الخطوة الأولى نحو “حلف الفضول الجديد” تبدأ من إقرارنا كعرب بفضائله والتمسك بقيّمه ومن ثم  مطالبة الآخرين بشراكة جديدة باستلهام القيم الإنسانية المشتركة، وخصوصاً المساواة بين البشر ورد الظلم وتحقيق العدالة  ولنا عودة لمعالجة فكرة ” حلف الفضول الجديد” .


*باحث ومفكر عربي.

تعليقات من فيسبوك

Comments

comments

شاهد أيضاً

أول تعليق من فيفي عبده بعد تدهور حالتها الصحية

صوت العرب – القاهرة – خرجت الفنانة المصرية، فيفي عبده، إلى جمهورها ومعجبيها، كي تتحدث …

تابعوا اخر الأخبار على صوت العرب

Translate » ترجم الموقع لأي لغة في العالم
التخطي إلى شريط الأدوات