تيريزا ماي والاحتفال بافتخار بوعد بلفور    – صوت العرب
الرئيسية / أُخَرُ الأَخْبَار / تيريزا ماي والاحتفال بافتخار بوعد بلفور   

تيريزا ماي والاحتفال بافتخار بوعد بلفور   

محمد عمران كشادة - خاص - صوت العرب

 

في أواخر  أكتوبر عام 2017م استبقت  رئيسة الوزراء البريطانية الحدث التاريخي الشهير المؤلم لكل العرب والمسلمين تدلي بتصريحات استفزازية ،  تيريزا ماي  قالت  : ( إنها ستحتفل بمرور مئة عام على وعد بلفور بافتخار ) ، وأضافت ماي في أثناء  الجلسة الأسبوعية  أمام البرلمان البريطاني بقولها  : ( أنها تفتخر بدور بريطانيا في إقامة  دولة إسرائيل ، مضيفة أن من المهم الآن العمل على التوصل لحل الدولتين لإنهاء النزاع الإسرائيلي الفلسطيني ) ، أنها بلا شك تصريحات مثيرة للجدل ومؤلمة بالنسبة لنا نحن العرب ، بل هي تمثل استفزاز و إهانة  لمشاعر 400 مليون عربي ، وأكثر من مليار من المسلمين في العالم ، هي إهانة واستفزاز لكل من يحبون   فلسطين  ارض الاديان  المقدسة  ، الأرض المباركة التي يوجد بها  المسجد الأقصى  أولى القبلتين وثالث الحرمين ، وطالما انا تيريزا ماي تفتخر بدور بريطانيا في إقامة دولة إسرائيل فلا داعي أن تهتم بدعم حل الدولتين ، هل يعقل من كان سبب في زرع إسرائيل في أرض فلسطين وكان السبب في أطول صراع تشهده المنطقة العربية وأطول صراع على مستوى العالم أن يكون له دور في  حل هذا  الصراع ،

هذا الصراع المدمر الذي يستهدف وجود أمة بأسرها ،  وما حصل  من ويلات وقتل ومآسي ؟. لا يمكن للمفسدين في الأرض أن يكونوا مصلحين ،  ثم أن النزاع ليس فلسطينياً اسرائيلياً ، بل هو نزاع وصراع  عربي إسرائيلي ، ومن يريد أن يختزل   الصراع إلى صراع  فلسطيني إسرائيلي هو كمن يريد أن  يسلخ فلسطين من محيطها العربي الإسلامي لكي يستفرد بها ،

 فلسطين جزء من الوطن العربي الممتد من الخليج العربي إلى المحيط الأطلسي ، هي أرض مساحتها 27 ألف كم2 وتعداد سكانها حوالي 10 ملايين ،  قد يراها البعض أرضا صغيرة لا قيمة لها ، إلا أنها لها قيمة روحية ومعنوية في قلوب مئات  الملايين من العرب والمسلمين ،

تيريزا ماي تصب الزيت على النار وهي بتصريحاتها النارية هذه كمن  يعطي لإسرائيل  ضوء أخضر لكي تستمر في قتل الشعب الفلسطيني ، وتستمر في  الاستيطان ونهب الأراضي العربية في الضفة الغربية ، وحين   تقول تيريزا ماي : ( من المهم الآن العمل على التوصل لحل الدولتين لإنهاء النزاع ) ، فأين تقام الدولة الفلسطينية وإسرائيل تقوم كل يوم بسرقة ونهب الأراضي العربية وتعلن عن مشروعات استيطان جديدة ؟.

كنا نأمل  أن تتغير عقلية المسؤولين والنخب السياسية في الغرب  وخاصة في بريطانيا ، وتتخلص من العقلية الاستعمارية الاستعلائية  لتنصف  الشعب الفلسطيني ، أو على الأقل أن تخفف من معاناته ،  وتعمل على تصحيح خطأ تاريخي ، وجريمة كبرى  ، جريمة جرت وراءها الويلات لشعب اغتصبت  أرضه ، وأصبح يعيش محنة اللجوء والتشرد ،  فلم يكن وعد بلفور بالحدث العادي ، بل كان بمثابة التمهيد لنكبة فلسطين في عام 1948م ، لقد سلبت الأرض من أصحابها ومنحت لمن  لا يستحق ، تلك الرسالة التي أرسلها وزير الخارجية البريطاني آرثر جيمس بلفور في الثاني من نوفمبر/تشرين الثاني عام  1917م  إلى اللورد ليونيل وولتر دي روتشيلد ، وقال فيها : ( إن الحكومة البريطانية تنظر بعين العطف إلى إقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين ، وإنها ستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية) ،

تلك الرسالة كانت طعنة مسمومة في جسد أمة ،  فعلا نظرت بريطانيا  بعطف لأحلام وطموحات اليهود ، لكنها كانت السبب في قتل  شعب وتهجيره من أرضه ، وغرس كيان دخيل على المنطقة العربية ، كيان هو بلا شك  قد حقق أهداف لجنة كامبل بانرمان رئيس وزراء بريطانيا  في أحد اجتماعاتها  الذي صدر عنه  تقريرها الشهير  في عام 1907م والذي جاء فيه  :

( إن الخطر الذي  يهدد الاستعمار الغربي  يكمن في  البحر المتوسط والذي  يقيم على سواحله الشرقية والجنوبية شعب واحد يتميز بكل مقومات الوحدة والترابط ، وبما في  أراضيه من كنوز وثروات تتيح لأهلها مجال التقدم والرقي  في  طريق الحضارة والثقافة ) ، وأوصى المجتمعون في تقريرهم   : ( لمواجهة الخطر الذي  تمثله منطقة البحر المتوسط يجب أن تقوم الدول الأوروبية بتجزئة المنطقة وتفكيكها ، وان يتم فصل الجزء الأفريقي  عن الجزء الآسيوي  من الوطن العربي  وإقامة حاجز بشري  قوي  وغريب في  نقطة التقاء الجزئين  أي  إسرائيل  ويمكن للاستعمار أن يستخدم ذلك الحاجز كأداة في  تحقيق أهدافه )  ، إنها  مؤامرة كبرى والعرب كانوا في غفلة ،  لجنة كامبل تجتمع في عام 1907م وتصدر تقريرها الشهير  ، ثم اتفاقية سايكس بيكو في عام 1916م ، ويأتي وعد بلفور في عام 1917م ، ثم قرار مؤتمر سان ريمو بالانتداب البريطاني على فلسطين في عام 1920م والذي أصبح رسميا في سبتمبر  عام 1922م  ، ثم قرار تقسيم فلسطين في عام 1947م ، لم يكن تطور الأحداث عبثاً ، بل كان هناك مخطط  طبخ على مهل في كواليس حكومة  بريطانيا العظمى ، إن تيريزا ماي بحاجة لأن تعيد قراءة تاريخ نكبة فلسطين التي كانت بسبب بريطانيا العظمى  لكي تقف على حقيقة  معاناة شعب فلسطين   التي تجاهلتها ،  رئيسة وزراء بريطانيا  بحاجة لمن يذكرها بمذبحة دير ياسين  ، و حصار غزة ، ومئات القرى الفلسطينية التي دمرت ، ومئات الالاف  من الدونمات من الأراضي  التي سلبت من أهلها ،  والألم الذي يعيشه أكثر من 5 ملايين لاجئ فلسطيني في مخيمات الشتات في  لبنان وسوريا والأردن ومصر ،

لقد ضحت تيريزا ماي  بالعرب ورمت كل البيض في سلة الإسرائيليين والحكمة التي فاتتها  تقول : ( لا تضع البيض كلها في سلة واحدة ) ، ويبدو بأن رئيسة وزراء بريطانيا  لا يعني لها  العرب شئ ، وإلا لما تجرأت على قول ما قالته ، إن لم تتعلم  تيريزا ماي من دروس التاريخ  وتعي حجم الكارثة التي تسببت فيها بريطانيا  فإن التاريخ يلعنها  بل والإنسانية كلها تلعنها ، ولن ينفعها 50 مليون يهودي في العالم  وهي تهين 400 مليون عربي ، وأكثر من مليار مسلم ، لن تجني غير الأشواك في تاريخها السياسي والعار الذي يلاحقها في حياتها وحتى بعد مماتها وهي تغازل اليهود وتأييدهم بهذا الشكل الفظيع ، وعلى حساب شعب يقتل كل يوم برصاص الإسرائيليين لكي ينعم من يزعمون بأنهم شعب الله المختار بالأمن في أرض اغتصبوها  وهجروا  أهلها ولن ينعموا  بالأمن  ، فلن يضيع حق وراءه مطالب ، ، بريطانيا العظمى لا تريد أن تعتذر عن نكبة فلسطين  ، في نيسان الماضي عام 2017م  رفضت الحكومة البريطانية  تقديم أي اعتذار يتعلق بوعد بلفور الذي أسس لقيام إسرائيل ، وقالت الحكومة البريطانية  في بيان لها : ( إن وعد بلفور موضوع تاريخي ولا نية لها بالاعتذار عنه ، بل أعربت عن الفخر بدور بريطانيا في إيجاد دولة إسرائيل ) ، والآن تعيد  تيريزا ماي تأكيد الموقف البريطاني الرسمي من القضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي  ،

بريطانيا العظمى وبعد 100 عام على وعد بلفور وعلى لسان رئيسة وزرائها   ترفض في استعلاء استعماري أن تعترف بحقوق عرب فلسطين ، فماذا سنفعل نحن العرب ؟. هل سنستمر في بيانات الشجب والاستنكار والتنديد ، والتباكي على آلامنا ونكبتنا؟. أم أنه سيكون لنا رداً آخر ، ومواقف عملية تعيد الانجليز الى صوابهم فهم لا يفهمون غير لغة القوة والمصالح ؟.

على العرب أن يستخدموا سلاح المقاطعة الاقتصادية في مواجهة هذه السياسة العدوانية التي تنتهجها  بريطانيا العظمى ضدنا ، لم يعد هناك مجال للسكوت و المواقف الارتجالية ، لقد دفع الشعب الفلسطيني ثمناً باهظاً نتيجة  هذا الاحتلال البغيض ، وفي يوم 2 نوفمبر عام 2017م  يوم الاحتفال بالذكرى المئوية لإعلان وعد بلفور  جددت  رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي تصريحاتها الاستفزازية للعرب وهي تستقبل رئيس الوزراء  الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ، حيث عبرت عن  فخر المملكة بالدور الذي لعبته في تأسيس دولة إسرائيل ، وأبدت مخاوفها من  المستوطنات غير الشرعية لإسرائيل  على الأراضي الفلسطينية  ، وأيدت حل الدولتين من  أجل إسرائيل آمنة وبعيدة عن الإرهاب  ودولة فلسطينية مستقلة وقابلة للعيش  ، من جهته قال  نتنياهو : ( أنه  بعد مرور مئة عام على إعلان وعد بلفور يجب على الفلسطينيين الاعتراف بوجود دولة يهودية وبأن هذه الدولة وطن قومي للشعب اليهودي ، وفي حال تجرأ الفلسطينيون على اتخاذ هذه الخطوة  ستكون التسوية السلمية هدفاً  حقيقياً  ) ، وأضاف بقوله : ( قبل مئة عام ساعد وعد بلفور على شق الطريق إلى إنشاء دولة يهودية مستقلة على الوطن التاريخي للشعب اليهودي ، واليوم إسرائيل وبريطانيا حليفان قويان وشريكان ) ،  شعب إسرائيل يستحق حياة دون الإرهاب و التحريضات المعادية للسامية، هكذا قال نتنياهو ، أما حياة شعب فلسطين فلا قيمة لها ، إننا على ثقة بأن شعب فلسطين سيستمر  في  المقاومة ليحرر أرضه ، وينال حريته ،  ولن يكون بحاجة لعطف بريطانيا العظمى .

 

تعليقات من فيسبوك

Comments

comments

شاهد أيضاً

كاتب أميركي يكشف كواليس لقائه بوليّ العهد السعودي أثناء خطاب ترامب عن القدس ورد فعله على القرار

تُعَد السعودية مكاناً جيداً للحكم على التأثير الذي أحدثه اعتراف الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالقدس …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *