الكل أذاع الخبر إلا هم.. لماذا صمت الإعلام الروسي تحديداً عن اغتيال جمال خاشقجي ولم يذكر حتى اسمه؟ - صوت العرب
المتواجدون حالياً على الموقع


الرئيسية / أُخَرُ الأَخْبَار / الكل أذاع الخبر إلا هم.. لماذا صمت الإعلام الروسي تحديداً عن اغتيال جمال خاشقجي ولم يذكر حتى اسمه؟

الكل أذاع الخبر إلا هم.. لماذا صمت الإعلام الروسي تحديداً عن اغتيال جمال خاشقجي ولم يذكر حتى اسمه؟

كاتب ومترجم لبناني

من المؤكد أن موسكو لم تُصدم كما صُدم كل «العالم الآخر»، بنبأ اختفاء جمال خاشقجي في قنصلية بلده في إسطنبول، ولم «تتجمد الدماء في عروقها» وهي تتابع أنباء احتمالات القتل الوحشي للرجل على يد بني جلدته. ليس في الأمر ما يُدهش موسكو، التي تمرَّست في تصفية معارضيها ومنتقديها حتى لو كانوا عند جدران الكرملين، كما اغتيل قائد المعارضة الروسية بوريس نمتسوف شتاء العام 2015، أو على مداخل بيوتهم كما اغتيلت الصحافية المعارضة آنا بوليتكوفسكايا في العام 2006.

قد تمر نشرات أخبار عدة دون أن يأتي التلفزيون الرسمي الروسي على ذكر قضية خاشقجي. ويشكل التلفزيون أداة الكرملين الرئيسية في الهيمنة على عقول غالبية الروس والتحكم في توجهاتهم، وهو منهمك هذه الأيام، ومعه كل روسيا، بمتابعة نقاش حول اعتداء على المارة وسط موسكو، ارتكبه لاعبا كرة قدم روسيان شهيران، وأسفر عن جرحى نقلوا إلى المستشفيات.

واللافت في النقاش الدائر حول الانهيار الأخلاقي العام، الذي يقف وراء مثل هذه الاعتداءات على المارة في الشوارع، هي العقوبة التي اقترحها لهذين الرياضيين الفتوتين، زعيم أكبر كتلة نيابية في الدوما الروسية، بعد حزب الكرملين، فلاديمير جيرينوفسكي، الذي اقترح إرسالهما للقتال في سوريا بدلاً من زجهما في السجن.

لقد توافقت قضية خاشقجي مع الذكرى السنوية الثانية عشرة لمقتل الصحافية آنا بوليتكوفسكايا، في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2006، التي كرَّست نفسَها لفضح جرائم الغزو الروسي للشيشان. ويحرص الناشطون الديمقراطيون الروس على إحياء هذه الذكرى سنوياً، وكانت للكاتبة سفتلانا ألكسييفنا، صاحبة جائزة نوبل للآداب العام 2015، كلمة بالمناسبة هذه السنة.

توجهت ألكسييفنا في كلمتها لصاحبة الذكرى بالقول: «لقد مرَّ على غيابك أكثر من عشر سنوات، كان بوسعنا خلال هذا الوقت أن نعيش في بلد مختلف، أن ننتقل من إمبراطورية الغولاغ إلى بلد أوروبي طبيعي، كما فعل الكثيرون من جيراننا».

وتقول الكاتبة إن الروس نادوا في التسعينات «الدموية، المقدسة، الجامحة» بالحرية، وظنوا أنهم قاب قوسين من نيلها، لكنهم كانوا يقدسون فكرة الحرية، وليس الحرية، لأنهم ما عرفوا سوى معسكرات الاعتقال، ومن قضى حياته في هذه المعسكرات لا يمكن أن يكون حراً بمجرد خروجه من بوابة المعتقل «لأن المعتقل هو كل ما يعرفه ويجيده».

إمبراطورية الغولاغ هذه، التي عادت تماثيل ستالين لتغزو ساحاتها وشوارعها، وعادت رفوف الكتب فيها لتضيق بالكتب عن ستالين، وعن نسائه وتبغه وهوياته، حسب ألكسييفنا، لا يمكن لها أن تتضامن مع قضية الحرية، ولا يسعها أن تكون مع قضية جمال خاشقجي، بل هي منهمكة الآن في العمل على تعديل دستورها، على حد قول رئيس المحكمة الدستورية منذ أيام، لكي يتلاءم مع تكريس «أبدية بوتين» زعيماً للأمة، ويتكيف مع متطلبات قمع التحركات الشعبية المتواصلة، منذ إقرار قانون رفع سن التقاعد، في مايو/أيار الماضي، ورفع الرسم على القيمة المضافة.

ولا تنتهي مشاغل إمبراطورية الغولاغ عند هذا فحسب، بل هي منهمكة هذه الأيام أيضاً بانقسام الألفية الثالثة في الكنيسة الأرثوذكسية، وانفصال الكنيسة الأوكرانية عن الكنيسة الروسية، الذي أقرته بطريركية إسطنبول الأرثوذكسية منذ أسابيع.

ووجَّه هذا القرار ضربةً قاصمة لمقولة «العالم الروسي»، التي يتبناها الكرملين في حروبه التوسعية على حساب البلدان المجاورة، وأطاح بحلم موسكو التاريخي أن تكون «روما الثالثة»، بعد «روما الثانية» في إسطنبول القسطنطينية، إذ اكتشفت الكنيسة الروسية، وخلافاً للبطريركيات الأرثوذكسية الأخرى، أنها ليس لها منطقة محددة مثبتة في وثائق العالم الأرثوذكسي.

وكأن هذه الهموم «المصيرية» لا تكفي الكرملين، بل أُضيف إليها هم فضائح جهاز مخابراته العسكرية في أكثر من بلد غربي، مما استدعى رداً حازماً موحداً من قبل هذه البلدان، سخرت فيه من مخططات الكرملين ومخابراته، بدلاً من أن «ترتجف خوفاً»، عبرت عنه «التايمز» البريطانية بقولها «بوتين عصي على الخجل، لكن ليس على الهزيمة» .

قد تكون مشاغل الكرملين هذه، مع تزايد تورطه في حرب عربية ثانية في ليبيا، هي التي تفسر عدم حماسة تلفزيونه وأجهزة إعلامه لأنباء قضية خاشقجي، يضاف إليها الحرج الذي تسببه هذه القضية مع كل من تركيا والسعودية، اللتين يسعى جاهداً للحفاظ على حسن العلاقات معهما. وهو ليس ضد عدم الإتيان على ذكرها، لو لم تفرض نفسها حدثاً يشغل العالم بأسره، وتقض مضاجعه قضية حرية الكلمة، التي تجسدها الآن قضية جمال خاشقجي.

فقد كتبت صحيفة الكرملين «vz» في العاشر من الشهر الجاري مقالة تُعلق فيها على مقتل الصحافية البلغارية فيكتوريا مارينوفا، لم تأت فيها على ذكر مأساة خاشقجي، بحجة أنها تتحدث عن مقتل الصحافيين في الاتحاد الأوروبي فقط.

لا يتوهَّمنَّ أحدٌ أن الصحيفة كانت تستهدف التضامن مع حرية الكلمة، بل ركزت في مقالتها على انتقاد الاتحاد الأوروبي، واعتماده مكيالين في مقاربة مسألة حرية الصحافة. فقد وضعت للمقالة عنوان «ردة فعل الاتحاد الأوروبي على مقتل الصحافيين تفضح رياءه»، وقالت إن الصحافيين الأوروبيين، الذين يلاحقون قضايا الفساد، يعيشون اليوم في جوٍّ من القلق والخوف.

وتقول إن عدد الصحافيين الإيطاليين الذين يعيشون هذا الخوف، وتتولى الشرطة حماية أمنهم، قد بلغ رقماً قياسياً، إذ يقارب 200 صحافي. وجميع هؤلاء كانوا يتابعون قضايا فساد، تتقاطع فيها مصالح كبار المسؤولين مع مصالح المافيا، ولذا فإن حياتهم «معلقة على شعرة»، حسب قولها.

وتقول الصحيفة، التي لم تجد متسعاً في مقالتها لذكر قضية خاشقجي، إن لجنة الدفاع عن الصحافيين تستمر في إدانة ملاحقة الصحافيين في كلٍّ من مصر وتركيا والصين وروسيا «وفي كل مكان، لكن ليس في أوروبا».

إن من يضيق صدره بانتقاد مصادرة حرية الكلمة في البلدان التي ذكرتها الصحيفة، هو أعجز من أن يتعاطف مع قضية الحرية، قضية جمال خاشقجي، حتى لو أراد ذلك، وهو بالتأكيد لا يريد، كما تشي أفعاله في سوريا.

تعليقات من فيسبوك

Comments

comments

شاهد أيضاً

الجبير: تركيا أكدت أن ولي العهد ليس المقصود باتهاماتها بشأن مقتل خاشقجي

صوت العرب – الرياض – كشف وزير الخارجية السعودي، عادل الجبير، اليوم الثلاثاء أن السلطات …

تابعوا اخر الأخبار على صوت العرب

Translate » ترجم الموقع لأي لغة في العالم
التخطي إلى شريط الأدوات