السودان ومواجهة التحديات. دبلوماسية نشطة لاحتواء ألازمات وإحلال السلام - صوت العرب
المتواجدون حالياً على الموقع


الرئيسية / أُخَرُ الأَخْبَار / السودان ومواجهة التحديات. دبلوماسية نشطة لاحتواء ألازمات وإحلال السلام

السودان ومواجهة التحديات. دبلوماسية نشطة لاحتواء ألازمات وإحلال السلام

محمد عمران كشادة
مدير مكتب صوت العرب / طرابلس 

لا شك بان التحديات غير المسبوقة التي تواجه السودان ودول المنطقة ماثلة بوضوح أمام صانع القرار السياسي في السودان ، هذا ما يجعل الدبلوماسية السودانية نشطة لاحتواء ألازمات وإحلال السلام في دول جوار السودان ، هذا ما يؤكد أيضا بان صانع القرار السياسي في السودان قد امتلك الرؤية الثاقبة والقدرة على قراءة الأحداث والتطورات المتسارعة في دول جوار السودان ، وفي كل دول المنطقة العربية بشكل عام ،

الحرب الأهلية المشتعلة في دولة جنوب السودان الوليدة بين الحكومة برئاسة سيلفا كير والحركة الشعبية المعارضة برئاسة رياك مشار ، وقضية سد النهضة والمفاوضات المتعثرة بشأنها وما تمثله من تهديدات للأمن القومي للسودان ، ثم المصالحة التاريخية بين أثيوبيا واريتريا ، والتوجهات السياسية للحكم الجديد في أديس أبابا ، وسعي أبي احمد لتطبيع العلاقات مع جيران أثيوبيا، وهو ما ينبئ بعصر جديد في منطقة القرن الافريقي وتحالفات جديدة ، ونهضة اقتصادية شاملة ، ثم انحسار النفوذ الإماراتي في جيبوتي لصالح العملاق الصيني الذي رما بثقله وقام بافتتاح اكبر منطقة تجارية حرة في أفريقيا بتكلفة 3.5 مليار دولار في المرحلة الأولى ، وهي منطقة سوف تفتح أفاق كبرى في التجارة الدولية ، وستمثل فرصة ثمينة للدول الحبيسة في أفريقيا في شق طرق جديدة للتجارة وإقامة خطوط الأنابيب الناقلة للنفط والغاز ، ناهيك عن الصراع في ليبيا المضطربة ولعبة الأمم الكبرى ، والتنافس الكبير بين الدول الكبرى وخاصة فرنسا وايطاليا على النفوذ والنفط والمصالح الاقتصادية ،

حرب اليمن والتي يشارك فيها السودان بقوات برية ، وتصاعد التوتر بين الحوثيين وكل من السعودية والإمارات وضرب ناقلات النفط السعودية في مضيق باب المندب ، وتهديد الحوثيين بنقل المعركة الى داخل أراضي السعودية والإمارات ، والتصعيد الكبير في لهجة العداء ونذر تفجر الحرب بين إيران ودول الخليج العربي ، لا شك بأنها تطورات خطيرة تنذر بأزمات سياسية واقتصادية كبرى لا يمكن أن تنجو دولة في المنطقة من تداعياتها ، كل ذلك يجعل القيادة السودانية تتجه بقوة لدفع عملية السلام في دولة جنوب السودان ، وتامين حدودها الجنوبية لكي تكون أكثر قوة في مواجهة التحديات التي تواجه السودان ودول المنطقة ، والمساهمة في دعم جهود إحلال السلام والتنمية والاستثمار بعيدا عن لغة الحروب والدمار ،

الأحد 5 أغسطس 2018م يوم تاريخي سيتوقف عنده المؤرخون كثيرا ، حيث شهدت الخرطوم توقيع اتفاق سلام بين الفرقاء السياسيين في دولة جنوب السودان ، وقع رئيس جنوب السودان سلفا كير، وخصمه السياسي رياك مشار زعيم اكبر جماعة متمردة اتفاق نهائي للسلام وتقاسم السلطة والترتيبات الامنية ، بعد حرب أهلية طويلة أودت بحياة عشرات الآلاف من أبناء الدولة الوليدة ، وشردت ربع السكان ، ودمرت الاقتصاد ، وبتوقيع هذا الاتفاق يعود رياك مشار لتولي منصب نائب الرئيس سيلفا كير وتطوى صفحة حرب مؤلمة تفجرت منذ عام 2013م ،

تم توقيع اتفاق السلام التاريخي بحضور زعماء كينيا وجنوب السودان وجيبوتي والصومال ، ونائب رئيس الوزراء الإثيوبي ، كان التوقيع على هذا الاتفاق التاريخي تتويجا لجهود بذلت وكان للسودان دورا كبيرا فيها ، فقد وقع الفرقاء السياسيين في دولة جنوب السودان على إعلان الخرطوم في 27 يونيو 2018م ، ثم التوقيع على اتفاق الترتيبات الأمنية في 6 يوليو 2018م ، ومن ثم التوقيع بالأحرف الأولى على اتفاقية الحكم وتقاسم السلطة في 25 يوليو 2018م ، وسبق ذلك عقد جولات منتديات السلام في أديس أبابا منذ أول جولة في ديسمبر 2017م والتي دعمها السودان ومنظمة الإيجاد ،

وعن اتفاق السلام قال الرئيس عمر البشير : ” إنه من المقرر بدء ضخ النفط من ولاية الوحدة بجنوب السودان إلى السودان في الأول من سبتمبر “، وزير الخارجية السوداني الدرديري محمد أحمد في أثناء التوقيع على الاتفاق قال : ” أن جميع الأحزاب السياسية بجنوب السودان قد وافقت كليًا على التوقيع على اتفاق تقاسم السلطة والترتيبات الأمنية ” ،

وأضاف الدرديري بقوله : ” أن الاتفاق يحظى بدعم إقليمي ودولي ، السودان حريص على إحلال السلام والاستقرار في جنوب السودان باعتبار أن استقرار وأمن الجنوب من أمن واستقرار السودان ” ،

سيكون الرهان كبيرا على دور الرئيس عمر البشير وموسفيني الضامنين لاتفاق السلام ، كما أن الفرص الاقتصادية كبيرة أمام السودان لضمان تدفق النفط من الجنوب الى الشمال ، وفرص الاستثمار والأسواق التجارية ، كنتيجة لتنفيذ اتفاق السلام التاريخي ،

إن السودان الذي فرضت عليه الدول الاستعمارية سلخ جزء من أراضيه بمساحة تبلغ حوالي 700 ألف كم2 وإقامة دولة جنوب السودان في يوليو 2018م ، وفقد بذلك الكثير من ثرواته ومقومات قوته الإستراتيجية كدولة كبرى بمساحة 2.5 كم2، وبتعداد سكاني يتجاوز 40 مليون نسمة ، سوف يجني الكثير من الفوائد من وراء دعم اتفاق السلام ،

إن الروابط التاريخية وصلات القربى بين شمال السودان وجنوبه أقوى بكثير من الحدود المصطنعة الجديدة التي رسمتها الدول الاستعمارية على خرائط الجغرافيا السياسية ، ولا شك بان صانع القرار السياسي في السودان لديه إستراتيجية واضحة المعالم للتعامل مع كل التحديات والفرص ، حين يعم السلام في دولة جنوب السودان ، ويضخ النفط من الجنوب عبر الأنابيب الى موانئ السودان على البحر الأحمر ، وتنشط حركة التجارة والاستثمار ، سيكون السودان أكثر قوة في التعاطي مع الملفات الشائكة داخليا وخارجيا ، وسيكون أكثر قوة في مواجهة الأخطار ،

يقول المؤرخ البريطاني الشهير ارنولد توينبى : ” إن اكبر اختبار يواجه العرب في أفريقيا هو إمكانية التعايش السلمي بين العرب والأفارقة الزنوج ، وهو هنا يقصد السودان ، وإذا تحقق التعايش السلمي أمكن للسودان أن يساهم بشكل كبير في حل مشاكل أفريقيا والعرب ، أما إذا فشل التعايش فان السودان سيغرق في خضم مشاكل لاحصر لها وان الوجود العربي في أفريقيا حينها يصبح مهددا ” ،

هنا يمكن القول بان دعم السودان للسلام في دولة الجنوب الوليدة يؤكد بان أشقائنا في السودان يدركون جيدا ما ينبغي فعله ، وأنهم يسيرون في الاتجاه الصحيح ، ونحن في ليبيا ندرك بان معركة السودان مع أعدائه ، والتحديات التي تواجهه ، هي معركتنا أيضا ، وهي أيضا نفس التحديات ، لسنا غافلين عن ما يجري في دولة جنوب السودان ، ونعلم لماذا صنعت هذه الدولة الوليدة ؟.

يعتقد البعض بأنه لا علاقة لنا نحن في ليبيا بدولة جنوب السودان وأنها بعيدة عن حدودنا جغرافياً ، وان أمننا القومي لا يمكن أن يتأثر بها سلباً أو إيجابا ، لكن للحقيقة وجه أخر، ومن يمعن النظر في خرائط الجغرافيا ويتدبر حقائق التاريخ وأهداف السياسة الدولية ومخططات الاستعمار في منطقتنا ، يدرك جيداً أن أمننا القومي يتأثر بمجريات الأحداث السياسية والاقتصادية في دولة جنوب السودان ، ووفقاً لمفهوم امن الأعماق فان الأخطار التي تهدد كيان أي دولة لم تعد تلك الأخطار التي تتعلق بحدودها مع جوارها فقط ، بل أصبح امن الدولة مرتبطاً بأي موقع توجد فيها مصالحها الاقتصادية، أو تأتيها منه الأخطار حتى وان كان بعيداً عنها ،

تصريحات الساسة والمسؤولين الاسرائليين تبين لماذا صنعت دولة جنوب السودان ، المدير العام لوزارة الخارجية الإسرائيلية السابق ألون ليئيل في تصريح للجزيرة يقول : ” إن إسرائيل تبحث عن تحقيق أهداف سياسية ومعنوية واستخباراتية بقرارها السريع الاعتراف بجنوب السودان ” ،

وأضاف ألون بقوله :” أن السودان طالما كان بلدا معاديا لإسرائيل لهذا شجع المسؤولون الإسرائيليون الجنوب الموالي لهم على الانفصال بهدف إضعاف الخرطوم ” ، وأضاف ألون : ” عملت إسرائيل على دعم جنوب السودان واليوم أتوقع زيادة دعمها في مجالات الاقتصاد والاستخبارات والصحة وغيرها ، إسرائيل سعت لتأسيس دولة صديقة لها بجنوب السودان لزيادة نفوذها في القارة ولاستخدامها ورقة ضغط ضد مصر التي تعد منابع النيل بالنسبة لها مسألة إستراتيجية” ، ثم يأتي تصريح أفي ديختر وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي السابق ليتبين لنا الهدف الحقيقي من دعم إسرائيل لدولة جنوب السودان ولماذا خلقت هذه الدولة الجديدة؟. حيث قال الوزير الإسرائيلي : ” كان على إسرائيل أو الجهات ذات العلاقة أو الاختصاص أن تتجه الي هذه الساحة جنوب السودان وتعمل على مفاقمة ألازمات وإنتاج أزمات جديدة حتى يكون حاصل هذه ألازمات معضلة تصعب معالجتها في ما بعد” ،

ونحن نعلم هذه الحقائق ، لا نملك إلا أن نبارك وندعم مساعي وجهود القيادة السودانية لإحلال السلام في دولة جنوب السودان ، ونؤمن بان حقائق التاريخ والجغرافيا والروابط التاريخية بين شمال السودان وجنوبه سوف تصمد أمام حسابات السياسة الضيقة ، ومؤامرات الدول الاستعمارية وصنيعتها إسرائيل التي تتربص بالسودان ، ونؤمن بان خيار السلام هو خيار استراتيجي لا بديل عنه .

تعليقات من فيسبوك

Comments

comments

شاهد أيضاً

شاهد : عراقي شيعي ينحر طفله قرباناً للحسين احتفالاً بذكرى عاشوراء +18

صوت العرب – في واقعة مؤلمة وبعيدة كل البعد عن معاني الإنسانية، نشر الكاتب الصحفي …

تابعوا اخر الأخبار على صوت العرب

Translate » ترجم الموقع لأي لغة في العالم