السودان واللعبة الاستعمارية الكبرى. سايكس بيكو الجديدة – صوت العرب
المتواجدون حالياً على الموقع


الرئيسية / أُخَرُ الأَخْبَار / السودان واللعبة الاستعمارية الكبرى. سايكس بيكو الجديدة

السودان واللعبة الاستعمارية الكبرى. سايكس بيكو الجديدة

محمد عمران كشادة – صوت العرب – خاص 

 

لقد كان السودان أول ضحايا مخطط سايكس بيكو الجديدة لإعادة رسم خرائط الجغرافيا السياسية في المنطقة العربية وتقسيم الدول القائمة وفق سايكس بيكو الأولى في عام 1916م ، حيث نجحت الدول الاستعمارية الكبرى في تقسيم السودان بعد مخاض عسير من الحروب والصراعات استمر لعقود ، لكن مخطط التقسيم الذي أصبح واقعا في السودان بتصويت الجنوبيين على الانفصال في يوليو عام 2011م لم يكن جديداً، بل هو مخطط قديم وضعته بريطانيا بدهائها ومكرها الاستعماري ، فهي تملك الخبرة في خلق بؤر التوتر والصراعات التي تستثمرها لتنفيذ مخططاتها في المدى البعيد ،

لقد أثمرت مخططات بريطانيا في إقامة كيان للمسيحيين ، ودولة يراد لها أن تكون موطئ قدم للغرب يفرض من خلالها هيمنته على شعوب العالم الثالث الغنية بالموارد ،

والسودان بما يملكه من ثروات هائلة لا يمكن أن تتركه الدول الاستعمارية مستقراً بدون قلاقل واضطرابات ،

قال المؤرخ البريطاني الشهير ارلوند توينبي : ( إن اكبر اختبار يواجه العرب في أفريقيا هو إمكانية التعايش السلمي بين العرب والأفارقة الزنوج وهو هنا يقصد السودان ، وإذا تحقق التعايش السلمي أمكن للسودان أن يساهم بشكل كبير فى حل مشاكل أفريقيا والعرب ، أما إذا فشل التعايش فان السودان سيغرق في خضم مشاكل لا حصر لها وان الوجود العربي في أفريقيا حينها يصبح مهدداً ) ،

ومن هذا المنطلق نقول بأن ما يشهده السودان اليوم هو هجمة استعمارية كبرى من قبل الدول الغربية التي تريد ومن خلال السودان أن توجه ضربة قاسمة لكل العرب والمسلمين ، في شكل جديد من أشكال الاستعمار الذي يقوم بدعم وتأجيج حركات التمرد ، وإثارة الفتن والقلاقل والاضطرابات ، ثم يأتي بقرار من مجلس الأمن بنشر قوات دولية لضمان السلام المزعوم ، وحماية السكان الأبرياء بعد أن تسيل بحوراً من الدماء ،

هناك حقائق مؤلمة تبين ما جرى ، وما يجري اليوم في جنوب السودان ودارفور ، إن السودان الذي أعلن استقلاله في عام 1956م لم يعرف الأمن والسلام منذ ذلك الوقت وحتى ألان ، والأسباب متعددة ، إن قوة السودان تعنى قوة العرب ، وتعنى قوة مصر وهى دولة مواجهة مع إسرائيل ،

كما أن استقرار السودان وقيامه بدوره التاريخي يمثل قوة دفع واستمرار لانتشار الإسلام في أفريقيا ،

إن الدول الغربية لم تكتفي بالدور الذي تقوم به أثيوبيا في مواجهة الإسلام والعروبة في أفريقيا ، لذلك أرادت بريطانيا وبقية الدول الغربية أن يكون جنوب السودان أرضاً مسيحية تشكل حاجز أمام المد العربي ألإسلامي باتجاه أفريقيا ،

إن الأرقام مقلقة وحجم المؤامرة اكبر من أن نحيط به ، وأننا لكي نبين خيوط المؤامرة التي حيكت بدهاء ضد السودان لابد أن نولى أهمية لمذكرة عام 1930م التي مهدت بها بريطانيا لإنشاء دولة مسيحية في جنوب السودان ، وهي عبارة عن قوانين فرضتها على الجنوبيين واستهدفت العرب والمسلمين لتحقيق أهداف بعيدة المدى ، ولقد كانت تلك المذكرة هي الأساس لما رأيناه من حدث جلل في عام 2011م حيث تم تقسيم السودان إلي دولتين ،

إن السودان يتعرض إلي هجمة صليبية منذ فترة طويلة تقودها الدول الغربية ، ومن أهم أسبابها هو خوف الغرب من تنامي حجم الاستثمارات العربية في السودان ، وخاصة استثمارات الدول الخليجية مثل الإمارات والكويت والسعودية وقطر ، وما يمثله ذلك من إمكانية توجه العرب في المستقبل نحو الاكتفاء الذاتي في الغذاء والتخلص من الهيمنة الأمريكية خاصة في مجال القمح ، 36 % من أراضى السودان صالحة للزراعة ، هذا إلى جانب توفر الماء وهو عصب الحياة ، السودان يستمد حياته من النيل وان لم يقل عنه هيرودت بأنه هبة النيل كما قال عن مصر ، إن هذه النسبة من الأرض الصالحة للزراعة في دولة بحجم السودان الكبير والتي تبلغ مساحته نحو 2.5 مليون كم2 تمثل مساحة عدد كبير من الدول الأوروبية ، سيكون استغلالها بشكل امثل أمر له عدة انعكاسات سياسية واقتصادية واجتماعية ليس في السودان فحسب ، بل في الدول العربية وأفريقيا يضأ، كان لابد من تقسيم السودان وحرمانه من حوالي 700 ألف كم2 من أراضيه ، لتولد دولة مسيحية دخيلة على المنطقة ، لكي نفهم ماذا حدث في جنوب السودان وقضية الانفصال في عام 2011م فإننا بحاجة لمعرفة كثيراً من الحقائق التي تبين خيوط المؤامرة منذ زمن بعيد ،

ووفقا لإحصائية الكتاب السنوي للتبشير في عام 1981م والذي يصدر عن مجلس الكنائس العالمي فان التقسيم الطائفي لسكان الجنوب يظهر أن 65 % وثنيون ، و 18 % مسلمون ، و 17 % مسيحيون ، وبينما الوجود ألإسلامي قوياً في المدن ، فان الوجود المسيحي له دور قوى في القرى والأرياف حيث تكثر جماعات التنصير ، والأمر الذي يدعو للقلق هو أن نشاط التنصير له وجود قوى فعدد الكنائس وخاصة في جنوب السودان بلغ 1200 كنيسة ، وعدد مراكز التنصير بلغ 60 مركز ، وراس مال هذه المراكز بلغ نحو 60 مليون جنيه إسترليني ، وهذه الإحصائية وفقأ لمصادر تعود إلى عام 1982م ، وتقول دراسة للأب الدكتور فانتين انه في عام 1911م كان عدد المسيحيين في جنوب السودان نحو 10 مسيحيين ، وفى عام 1921م بلغ العدد نحو 1500 مسيحي ، وفى عام 1931م بلغ العدد نحو10 ألاف مسيحي ، (يلاحظ هنا تزايد الوجود المسيحي بعد مذكرة عام 1930م الشهيرة والتي تحدثنا عنها ) ، وفى عام 1951م بلغ عدد المسيحيين نحو 100 ألف مسيحي ، وفى عام 1961م بلغ العدد نحو 300 إلف مسيحي ، وفى عام 1964م بلغ العدد نحو 480 ألف مسيحي ، وفى عام 1982م بلغ العدد نحو 880 ألف مسيحي ، أما في عام 2008م فان عدد المسيحيين في جنوب السودان بلغ نحو 4 ملايين مسيحي ، مؤكد بأن الأرقام تدل على حجم المؤامرة الكبرى بإنشاء دولة مسيحية في جنوب السودان، والتي مهدت لها بريطانيا منذ زمن طويل ، وإذا كان عام 2005م قد شهد توقيع اتفاق نيفاشا بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان ، والذي نص على منح الجنوب فترة انتقالية لمدة 6 أعوام على أن يجرى في عام 2011م استفتاء حول تقرير المصير ، إما البقاء في دولة واحدة مع السودان أو الانفصال وتأسيس دولة جديدة وهو ما حدث فعلاً ، فان السؤال الذي يطرح هنا .. هل انتهت مشاكل السودان بالتقسيم؟. أم أنها لا تزال تتفاقم في غياب أي أفق للحل ؟.

المتابع للأحداث اليوم يلاحظ تعقيدات مشكلة إقليم ابيي المتنازع عليه بين شمال وجنوب السودان ، وهو الإقليم الغني بالنفط والذي يشهد كثير من التوترات بين مكوناته العرقية من قبيلتي الدنكا والمسيرية ، هذا بالإضافة إلى الخلافات بين الشمال والجنوب حول تقاسم أعباء ديون الدولة السودانية قبل التقسيم ، والخلافات حول رسوم مرور النفط من جنوب السودان عبر الشمال ليصل إلى ميناء التصدير على البحر الأحمر ، كما أن جنوب السودان يشهد حرب أهلية وصراع على السلطة بين سيلفا كير ورياك مشار ، وهو صراع حصد أرواح الأبرياء وعرقل مسيرة الدولة الوليدة ،

إذن الانفصال لم يحل مشاكل السودان ، وكما أسلفنا القول وقع اتفاق نيفاشا في سنة 2005م لإنهاء الحرب في جنوب السودان والتي كانت مستمرة منذ 40 عام ، إلا أن قوى الاستعمار الغربي تأبى إلا أن تشعل حرباً جديدة في غرب السودان ، ليبدأ فصل جديد من اللعبة الاستعمارية الكبرى ، إنها قضية دارفور بكل أبعادها الخطيرة ، ففي دارفور الصراع والحرب بين المسلمين أنفسهم ولا وجود للمسيحيين ، وهنا نرى صدق ما قاله ارلوند توينبي عن التعايش السلمي بين مكونات السودان ، حيث أن ضرب التعايش السلمي بين العرب المسلمين والأفارقة الزنوج وهم مسلمين أيضا هو الهدف من الهجمة الغربية على دارفور ،

إن الدول الغربية تريد أن تحدث فتنة تهدد مستقبل العرب في أفريقيا ، وتمنع وتعرقل انتشار الإسلام ، إن مخطط دارفور هو إحياء لمخططات تجزئة استعمارية قديمة مثل مشروع بيفن سيفورزا في ليبيا في عام 1949م ، وإذا نجحت الدول الغربية في إقامة دولة مستقلة في دارفور ، فهذا تهديد مباشر لأمن السودان وليبيا ومصر وتشاد ، وهو يمس بخرائط الجغرافيا السياسية في المنطقة ويؤدي إلى تداعيات خطيرة ، وتهديد مباشر للأمن القومي العربي بشكل عام خاصة عرب أفريقيا وهم يمثلون ثلثي تعداد السكان العرب ، ومساحة دارفور تفوق 500 ألف كم2 أي أنها قابلة لان تصبح دولة ، كما أن بعض الدراسات العلمية تشير إلى وجود بحيرة مياه عذبة في باطن الارص بمساحة 30 ألف كم2 ، هذا إلى جانب وجود النفط وبعض المعادن الأخرى ، ولكن للأمر أبعاد أخرى إنها محاولة لضرب الإسلام في أكثر مناطق العالم الاسلامى قوة حيث أن 50 % من سكان دارفور ممن يحفظون القران ، وقد كانت في دارفور سلطنة إسلامية عظيمة في القرن التاسع عشر هي سلطنة على دينار التي كانت تكسو الكعبة كل عام ، وقضى عليها الانجليز أثناء احتلالهم للسودان ، وسكان دارفور المسلمين كانوا من أكثر أهل السودان جهاداً ومقاومة للاحتلال الانجليزي ، ودارفور يوجد بها اكبر عدد من أنصار الحركة المهدية الشهيرة التي تصدت للاحتلال الانجليزي للسودان ،

وإذا نظرنا إلى عدد سكان دارفور الذي بلغ 7 ملايين نسمة وفقأ لإحصاء عام 1993م ندرك بأن نسبة 50 % يحفظون القران تعنى عدد 3.5 مليون أي أن الإسلام ذا قوة في هذه المنطقة وهذا ما لا تريده حركة التنصير العالمية ، إن فصل دارفور عن السودان في ظل الدعم والحماية من الدول الغربية سيؤدى إلى قيام دولة علمانية كما يخططون تمثل نموذجاً من الحضارة الغربية المفلسة ، أي خنق الإسلام وتقزيمه فى هذه المنطقة والإسلام اعز وأعلى من ذلك والقران يقول : ( يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ) ، ولكن ماهى وسيلة الدول الغربية فى تحقيق أهدافها ومخططاتها في دارفور؟.

إن اللعب بورقة العرق والقبلية ، وحقوق الإنسان ، والتهميش ، والجرائم ضد الإنسانية ، وجرائم الإبادة الجماعية ، كلها تعتبر المبرر والحجة للتدخل الغربي في دارفور ودعم الحركات الانفصالية ، 60 % من سكان دارفور هم من الأفارقة الزنوج ، و40 % من العرب ، وهنا مكمن الخطر حيث يتم غرس بذور الفتنة العرقية ، والهدف هو الإسلام ووحدة السودان واستقراره وأمنه ، والأخطر من ذلك هو أن إسرائيل تلعب دوراً كبيراً في هذا المخطط الاستعماري من خلال الدعم الذي تقدمه لحركة تحرير السودان وزعيمها عبد الواحد نور الذي فتح مكتب تمثيل للحركة في تل أبيب في عام 2008م ، ولإسرائيل أهداف كثيرة في أفريقيا ولكن فيما يتعلق بدارفور فهي تريد تجزئة السودان إلى عدة دويلات متفرقة ، والدليل على ذلك المؤتمر اليهودي العالمي الذي عقد في الولايات المتحدة في عام 1982م والذي تم الاتفاق فيه على تقسيم عدد من الدول العربية من بينها السودان ، كما أن إسرائيل تريد يضأ أن تجعل من نفوذها في دارفور ورقة تساوم بها مصر وليبيا والعرب في قضية الصراع العربي الاسرائيلى ، كما تريد أن يكون لها موطئ قدم وقواعد لمراقبة مصر وليبيا ، إذن ماهو السبيل لإنقاذ السودان من هذه المؤامرة الكبرى؟.

ليس هناك من سبيل إلا بإجماع السودانيين على الثوابت الوطنية ، وتوحيد صفوفهم وتقديم مصلحة الوطن ، والبعد عن الانقسام والصراعات السياسية ، ولابد أن تقوم الدولة السودانية بإجراء إصلاحات سياسية واقتصادية واسعة للحفاظ على ما تبقى من السودان ، وعلى العرب أن يتجهوا للاستثمار في السودان ، فهل يعقل بأن نترك نحن العرب السودان لتستأثر بها الصين التي تستثمر حوالي 13 مليار دولار في السودان منذ عام 2000م خاصة في قطاع الزراعة؟.

إن السودان بحاجة إلى مساندة العرب في مواجهة كل التحديات والاخطار المحدقة به ، وضمان أمنه واستقراره ، لان أي غياب لدور السودان في المنطقة العربية والإقليم يعني بأن الأمن القومي العربي سيكون في خطر.

 

تعليقات من فيسبوك

Comments

comments

شاهد أيضاً

وقفة احتجاجية امام الامم المتحدة في عمان رافضين صمت المجتمع الدولي على المجازر في الغوطة

صوت العرب – عمان – ندد المشاركون في الوقفة الاحتجاجية التي أقيمت أمام مبنى الأمم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Translate »