الحراك الاجتماعي وأزمة " مسلسل الإنصاف والمصالحة بالمغرب - صوت العرب
المتواجدون حالياً على الموقع


الرئيسية / أُخَرُ الأَخْبَار / الحراك الاجتماعي وأزمة ” مسلسل الإنصاف والمصالحة بالمغرب

الحراك الاجتماعي وأزمة ” مسلسل الإنصاف والمصالحة بالمغرب

*عبد السلام بوطيب

ليس الأمل نقيض اليأس ، ربما هو الإيمان
الناجم عن لا مبالاة آلهةٍ بنا … تركتنا
نعتمد على مواهبنا الخاصة في تفسير
الضباب وقال : ليس الأمل مادَّةً ولا
فكرة . إنه موهبة .
تناول قرصاً مضاداً
لارتفاع ضغط الدم . ونسي سؤال الأمل ….
وأَحسَّ بفرج ما…. غامض المصدر… ” محمود درويش” .

يذهب بعض  المهتمين بتجربة الإنصاف و المصالحة في بلدنا، من السياسيين و الحقوقيين، من  المغاربة وغيرهم إلى أن التجربة فشلت.

وبكثير من اليقين، و في قفز متعمد على أحداث أعطيت المسلسل، و كادت ان تنهيه   في المهد، ولا سيما أحداث” الربيع العربي” السئ الذكر، و في إهانة قل نظيرها لذكاء كافة من أبدعوا التجربة، يدعي هؤلاء أن سبب فشل التجربة راجع إلى   أن الداعيين إليها و القائمين عليها، و الفاعلين الأساسيين فيها ، كانوا خداما من دون حسن نية، و أن غرضهم الأساس كان تلميع صورة “العهد الجديد” خدمة له، و لأغراضهم الشخصية.

و في سباق محموم نحو تأكيد صحة كلامهم، و لو تعسفا على التاريخ، يورد هؤلاء أحداث الريف كعنوان بارز لفشل التجربة ، معتبرين أن  “التعامل الأمني”، و اتهام فصيل من “الدولة العميقة” للحراكيين الريفيين بالانفصال، و الأحكام التي صدرت في حق شباب الحراك ، هي أحكام انتقامية من منطقة كانت عسيرة الانخراط في مسلسل الإنصاف والمصالحة على الطريقة المغربية. و قاطعت جلسات الاستماع العمومي التي ” حسب قولهم كانت تراهن عليها الدولة إعلاميا لتلميع التجربة و تسويقها .

والحال أن الانخراط  في المسلسل المغربي  للإنصاف والمصالحة، كما هو الشأن في كل التجارب عالميا، تطلب  من الداعيين إليه “ضحايا” كانوا أم ” جلادين”، إيمانا عميقا بالتجربة و مستقبل البلد، و تهييئا نفسيا وثقافيا، وسياسيا ، وحقوقيا يقدر في ميزان السياسة بالذهب و الماس، و يوزن في الممارسة السياسية ببيض النمل . لأن  التجربة بالنسبة للمنخرطين فيها كانت تمرينا فرديا و جماعيا قاسيا جدا في علاقتهم بمن يعتقدون أنهم السبب في ” جهنم” التي عاشوها. كما أن أحداث الريف هي عنوان أزمة المسلسل و ليس عنوان فشله.

و اذا كانت حجتهم  فيها كثير من السطحية، و التسرع في إصدار الأحكام، و   كثير من الخلط بين الذاتي و الموضوعي، فإن الاستدلال بأحداث الريف كعنوان لفشل التجربة، فيه كثير من البهتان و الكذب على التاريخ،  لأن الداعين إلى مقاطعة جلسات الاستماع العمومي آنذاك احتجوا لأسباب تنظيمية، و لم يعبروا في أي لحظة عن اصطفافهم ضد التجربة .و من الأمانة  التاريخية القول إن مطالبهم كانت مشروعة، و أن الوسطاء – أي بين الضحايا و الدولة آنذاك- أفشلوا علاقة الطرفين بتسرعهم و بقلة ذكائهم، و لم يمنحوا لهما فرصة تعميق النقاش بينهما، و هو نقاش كان سيكون في صالح التجربة ، و كان سيغنينا عن الأزمة التي يعيشها المسلسل اليوم.

وأما القول بأن الاحكام الصادرة في حق شباب “الحراك” احكام انتقامية ففيه كذلك كثيرا من السياسوية، و الجهل بطبيعة المؤسسات، و القائمين عليها، لأن القضاء، و في العالم بأسره، مؤسسة محافظة لا تريد أن تفهم شيئا،  لا في السياقات، ولا في السياسة، و في لا في التراكمات الحقوقية و المدنية. هدفها تنفيذ القانون بالحرف في أحايين كثيرة، و باستحضار ظروف التخفيف غير السياسية في أحايين قليلة، و رمي الكرة الى المؤسسات السياسية. وهم لا يريدون، هنا و في أية بقعة مهما ادعت انتماءها الى أي بقعة ديمقراطية، أن يعرفوا شيئا مما يهمنا نحن الحقوقيين و المدنيين، و معنا بعض السياسيين  التقدميين ، لأن ما صدر عنهم – في نظرهم – لا يحتكم إلا إلى القانون. وهم في ذلك مستعدون لإقناع العالم بسلامة قراراتهم و احكامهم.

و بالرغم من كل شئ، وبالرغم من الضربات المباشرة والغير المباشرة، من ضربات “الأعداء” أو “الاخوة الاعداء”،  من الضروري الإقرار اليوم ، أن تجربة الإنصاف والمصالحة ببلادنا لم تفشل الى حد الان ، بل انها تعيش أزمة حادة، وهي أزمة  يمكن أن تؤدي بها – في اية لحظة- الى موت محقق، وهو ما سيفتح – لا قدر الله- باب مستقبل المغرب على مجهول مماثل لما دخلته كثير من بلدان شمال افريقيا و الشرق الاوسط .

و لرفع اللبس، و قصد المساهمة في إنقاذ المسلسل، من الواجب افهام الناس، أن   المصالحة هي قبل كل شئ درس تربوي في السياسية و ممارستها، وفي التواضع في علاقتنا و تعاملنا مع جميع الفرقاء، مهما كانت الاختلافات التي تبدو لنا بيننا و بينهم، و  هي بالتالي صيرورة تتطلب وقتا طويلا من العمل و التفاعل الصادق، و أن نتائج مثل هذه التجارب لا يؤتي أكلها إلا بعد زمن معين، قد يطول أو يقصر حسب مستوي الوعي به من قبل الفاعلين و صدقية ممارساتهم.  و ذكاء القائمين على تنفيذ توصياتها – إن انتهت إلى ذلك- من قبل المؤسسات المسؤولة عن ذلك، و المؤسسات الحقوقية الوسيطة.

ما العمل ،إذن، لإنقاذ التجربة من الموت ؟

قبل التفكير في العمل الضروري لإنقاذ  مسلسل الإنصاف و المصالحة المغربي، و يجب الإقرار أن ما نعيشه اليوم من حراك اجتماعي في   جزء كبير من بقاع المغرب، ما هو إلا جزء من تمظهرات الأزمة التي تعقب عادة تجارب المصالحة غير المكتملة النجاح. و هي  حركات ” جماهيرية” تذكيها جروح ذاكرتها الجماعية، و يراد لها أن تجنح نحو التطرف من خلال الاستحضار القوي للتعبيرات الرمزية المرتبطة بذاكرتها، فيما قد يبدو و كأنه نوع من الانفصام عن قيم المواطنة التي توحد كافة المواطنين، و ما يزيدها قتامة و سوريالية هو عزفها مرة أخرى على وتر الدين، و توظيفه في الصراع من خلال التركيز على  محطات مشرقة في تاريخ الدين، دون التأكد من حقيقة اشراقتها، و في عزل تام عن سياقها التاريخي. والحال أنها في العمق حركات لا تطالب الا بالمزيد من الاوكسجين لتتنفس التجربة اكثر، و بمزيد من الجرأة والذكاء لتستمر في طريقها نحو بر أمان الدولة التي تحقق لهؤلاء “الحراكيين” الحد الادنى من العيش بكرامة. و إذا لم ننتبه اليهم كما يجب – و كما علمتنا التجارب المماثلة- فإنهم سينفجرون بشكل من الأشكال.

فإذا ما أخذنا ” حراك” الريف كنموذج للازمة التي يعيشها مسلسل المصالحة في بلادنا، فمن الضروري الإقرار أن هيئة الإنصاف و المصالحة تعاملت مع ملف الريف     باستعلاء و بكثير من السطحية و السرعة بالرغم من التفاعل الايجابي – كما قلت سالفا- لجميع الفاعلين السياسيين و الحقوقيين و المدنيين آنذاك، من أقصى اليسار الى بعض “اليمين”، لذا فأي خطوة نحو إنقاذ هذا المسلسل اليوم يجب أن تبدأ   من نقد و نقض تعامل هيئة الإنصاف والمصالحة مع ملف الريف، و قراءة أسباب هذا التعامل. و مبتدأ ذلك استثمار و قراءة متمعنة لجلسات الاستماع العمومي، و ما واكب التحضير لها، و من الجذب بين مناصري انعقادها و مناهضيه ، خاصة وأن المناهضة كانت في الشكل و لم تكن في الجوهر . وخبر ذلك إبداع شكل أخر من البوح الجماعي.

إلا أن الرجوع إلى الملف اليوم لن يتم إلا عبر مراجعة التعامل مع ملف ما يعرف بحراك    الريف، ذلك أن الملف يجب أن يعالج سياسيا، بعد استنفاذ القضاء أو قبل استنفاذ القضاء لمهمته، لأنه بالرغم من إيماننا الشديد بأن القضاء مؤسسة أساسية للبناء الديمقراطي، و تستوجب التقدير و الاحترام الضروري، فإن الأحكام التي أصدرها غير متماشية مع روح الانصاف و المصالحة و ما راكمه المغرب في المجال الحقوقي. و لم تراع طبيعة التحولات الاجتماعية و السياسية و الاقتصادية   والديمغرافية التي يعرفها المجتمع المغربي، و لا المغرب – كدولة – تعيش أزمة في مسلسلها نحو الإنصاف والمصالحة الذي يتطلب طاقة كبيرة جدا. و أن الأحكام – بغض النظر عن مدى عدالتها – لا يمكن أن تساهم في خلق الإطار المساعد على تحقيق عدالة اجتماعية ومجالية، بقدر ما تخلق الأحقاد والتشكيك في الإرادات؛ خاصة إرادة الاستمرار في مسلسل الإنصاف و المصالحة ، الذي سيؤدي بالمغرب حتما الى أن يكون دولة ديمقراطية رائدة. الا أن هذا سيظل ناقصا ما لم يتم الانتباه إلى أن أزمة مسلسل الانصاف و المصالحة يعكس كذلك  ازمة عميقة تعيشها المؤسسات الحزبية و النقابية و المدنية ، كما هي إعلان كذلك عن اختناق المؤسسات الحقوقية التي عليها لعب دور الوساطة بين الدولة و المجتمع ،و لا سيما المجلس الوطني لحقوق الإنسان، كما أنها تسائل، مجددا، جدوى و وجود وزارة الدولة المكلفة بحقوق الانسان التي لم تقم طيلة الازمة، و حتى بعد صدور الأحكام إلا بما يمكن أن تقوم به جمعية حقوقية محلية.

وقبل اقتراح ما يمكن من إنقاذ مسلسلنا من الموت ، من الضروري دعوة الأحزاب السياسية  إلى تأهيل خطابها السياسي، و الابتعاد عن الشعبوية القاتلة ، و العودة الى الركوب على الاحداث ، كما فعل حزب الاستقلال أخيرا، مما يمكنها من لعب الأدوار المنوطة بها دستوريا حتى تتمكن من استرجاع  ثقة شبابنا؛ و دعوة النقابات الوطنية إلى تجديد ممارساتها النقابية بما يلائم طبيعة مهامها ووجودها، حتى تتمكن هي بدورها من القيام بالأدوار المنوطة بها دستوريا؛و دعوة المؤسسات الحقوقية الوسيطة إلى تغيير صيغ تفاعلها مع الأحداث الحقوقية التي تعرفها البلاد، و إبداع صيغ استباقية لمعالجة القضايا التي تدخل في مجال اختصاصها؛ وإعادة النظر في تركيبة ومهام لجانها الجهوية.

ان الأمر يتطلب أكثر من أي وقت مضي عقد ندوة وطنية  يدعو إليها المجلس الوطني لحقوق الإنسان بشراكة مع المؤسسات الحقوقية الوطنية،  و يشارك فيها من يقترحه الطرفان من مختلف المتدخلين في موضوع مسلسل الإنصاف والمصالحة، وذلك   لتقييم المسلسل ، و تقديم تصورات لمعالجة أسباب الحراكات التي يعرفها المغرب لتلبية مطالبها و لتجنب انحرافات ممكنة نحو ما لا يخدم الديمقراطية في البلد، كل هذا من أجل تجاوز حالة الاحتقان الراهن، و بهدف توفير شروط التفكير، و إبداع  صياغة مشروع تنموي جديد يستمد مضامينه من توصيات هيئة الإنصاف و المصالحة، و من توجيهات جلالة الملك و يستجيب لآمال و طموحات المغاربة .

إن هذه الندوة التي ندعو إليها هي شكل من أشكال استخدام الذكاء الجماعي الذي لن تمل من ترديد الدعوة إليه،  و شكل من تغليب صوت حكماء الوطن، وتعميم القيم الإنسانية الداعية إلى الرحمة والصفح والعفو والتأسيس للمستقبل ،

من هنا و حتى يأتي مسلسل الانصاف و المصالحة أكله من الضروري دعوة الحكومة المغربية إلى   التفاعل الإيجابي السريع مع نبض الشارع المغربي، و تحمل مسؤوليتها كاملة في تحقيق العيش الكريم لجميع المغاربة .ذلك أن عدم الاستجابة لمطالب الشعب في حدودها الدنيا اليوم،  يعتبر عرقلة لمسلسل الإنصاف و المصالحة تستوجب منا الدعوة إلى انتخابات سابقة لأوانها خدمة لمسلسل المصالحة، وتفعيلا لمبدأ الإنصاف، وتحصينا لمستقبل البلاد و العباد.

*فاعل سياسي و حقوقي

تعليقات من فيسبوك

Comments

comments

شاهد أيضاً

Denise Williams found guilty in love triangle murder plot to kill husband

A Florida widow was found guilty of murder in connection to her husband’s 2000 slaying that …

تابعوا اخر الأخبار على صوت العرب

Translate » ترجم الموقع لأي لغة في العالم
التخطي إلى شريط الأدوات