الاحتجاجات الشعبية في السودان والخيارات الصعبة - صوت العرب
المتواجدون حالياً على الموقع


الرئيسية / أُخَرُ الأَخْبَار / الاحتجاجات الشعبية في السودان والخيارات الصعبة

الاحتجاجات الشعبية في السودان والخيارات الصعبة

محمد عمران كشادة

مدير مكتب صوت العرب – طرابلس – ليبيا

لا شك بأنها خيارات صعبة أمام  الحكومة السودانية والشعب السوداني ، السودان في مفترق طرق ، تفجرت الأوضاع وخرج الناس في مظاهرات واحتجاجات على غلاء المعيشة والظروف الاقتصادية المتردية  ، من عطبرة مهد الاحتجاجات إلى سنار إلى الخرطوم العاصمة نفسها ، أناس كثيرون يحتجون ، إلا أن السؤال الذي يطرح نفسه وبقوة .. هل الشعب السوداني يعي حقيقة ما يجري في السودان وما حوله في دول الإقليم وفي المنطقة العربية بشكل عام؟. هل هذه الاحتجاجات سوف تحل كل المشاكل أو بعضها وتحقق للشعب  مطالبه ؟.

لا شك بأن مطالب الشعب مطالب مشروعة ، أن يحتج الإنسان ويخرج للشارع ويعلن عن مطالبه وبشكل سلمي وحضاري هذا أمر من حقه ، ولا غبار عليه ، لكن الأخطر أن لا يعي المتظاهرون حقيقة ما يحاك في الخفاء من مؤامرات تستهدف امن ومستقبل وطن تتكالب عليه الدول الاستعمارية الكبرى ،

كثيرة هي المؤامرات التي حاكها الأعداء للسودان عبر تاريخه ، ونجح أعداء السودان في تقسيمه لإضعافه ومنعه من  أن يكون قوة للعرب والإسلام وإفريقيا ، في عام 2011م نجح مخطط التقسيم وولدت دولة الجنوب المسيحية كما أرادت بريطانيا وحليفتها الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل ،

وألان هناك مخططات لمزيد من سيناريوهات التقسيم وإضعاف السودان وتفتيت كيانه ، دارفور هي الأخرى جاء دورها لتسلخ عن كيان السودان ، السؤال هنا .. إذا كانت الدولة في السودان قد تعرضت لمؤامرات كثيرة وهي تبسط هيبتها وقوتها على إقليمها السياسي منذ استقلالها في 19 ديسمبر عام 1955م  ، وعجزت أمام قوة وحجم المؤامرات التي حاكتها الدول الاستعمارية الكبرى ونتج عنها تقسيم الجنوب .

فكيف سيكون الحال في السودان إذا فقدت الدولة سيطرتها في بعض المدن والمناطق أمام استمرار الاحتجاجات وانتشار رقعتها ؟. أليس هذا خطر يهدد الجميع ، ويهدد بانهيار الدولة السودانية؟. هل هناك قوة تستطيع أن تواجه المخططات الاستعمارية التي تستهدف السودان ؟.

هل هناك قوة تستطيع أن تضمن الأمن والاستقرار ، وحماية الناس وأملاكهم ؟. وما هي التداعيات إذا ما تدخلت دول أخرى إقليمية ، ودول مجاورة ، ودول كبرى ، وكل دولة  تريد أن تصفي حساباتها مع السودان ، وتستغل الظروف الصعبة والوضع الأمني المتوتر لتنفيذ أجندتها وأهدافها في السودان ؟.

لابد ان العقلاء في السودان والوطنيين يعلمون جيدا بأن استمرار الاحتجاجات والمظاهرات سوف يؤدي إلى تقوية النزعات الانفصالية في بعض المناطق ، لن تتردد الجماعات المعارضة في دارفور عن استغلال الوضع وستجد من يدعمها ، أليست إسرائيل على مقربة من دارفور وفي تشاد الجارة المسلمة التي زار رئيسها إدريس ديبي تل أبيب في 25 نوفمبر عام 2018م ؟.

إن الحكومة السودانية عندما أقرت حزمة من القرارات الاقتصادية إنما بهدف إنقاذ الإقتصاد ، وإن كانت بعض القرارات مؤلمة أو نتائجها الايجابية لن تظهر بشكل سريع ألان ، فليس أمام المحتجين والمتظاهرين إلا التظاهر السلمي ، وبالطرق القانونية ، والمطالبة بالإصلاح التدريجي ، أما الاستمرار في المظاهرات والاحتجاجات واتباع اساليب العنف  فلن يحقق لهم مطالبهم ، بل سوف يستغله أعداء السودان لضرب أمنه واستقراره ، إنها خيارات صعبة بلا شك ، خيارات صعبة ما بين رغيف الخبز وامن ومستقبل وطن ، أن يحتمل الشعب المعاناة في طلب رغيف الخبز حتى تتحقق المطالب ، خير من أن تنهار الدولة ويضيع الوطن ،

ثروات السودان الهائلة لن يسرقها احد الا اذا انهارت الدولة ، وعلى هذا الجيل من أبناء السودان أن يفوت الفرصة على الأعداء ، متطلبات الأمن القومي تفرض نفسها وبقوة في بلد تستهدفه كل الدول الاستعمارية الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية التي فرضت عقوبات جائرة على السودان في عام 1993م بحجة الإرهاب ، إلا أن الهدف الحقيقي هو منع العملاق السوداني من النهوض ، وأن يظل السودان أمنا مستقرا بدون صراعات وقلاقل ، يعني أن تكون له القدرة على استثمار ثرواته من النفط والغاز والثروة الزراعية الضخمة ، 28% من أراضي السودان الصالحة للزراعة في مساحة 2.5 مليون كم2   في ظل وفرة المياه من نهر النيل وروافده والمياه الجوفية الضخمة ، هذا يعني سلة الغذاء العربي والإفريقي ، ووجود هذه الثروة خارج سيطرة شركات الغذاء الكبرى في العالم هو تهديد للاحتكارات والمصالح الرأسمالية ، فكان لابد أن يقسم السودان ويسلخ منه 700 الف كم2 من مساحته هي مساحة دولة الجنوب الوليدة ،

كيف يمكن لإسرائيل أن تتغلغل في إفريقيا وتطوق العرب عند حدودهم الجنوبية إذا كانت في السودان دولة قوية ومستقرة ، يخبرنا التاريخ عن قصة دويلات عربية تم القضاء عليها بالتزامن مع التغلغل الاستعماري الأوروبي لبريطانيا وفرنسا في المنطقة ، حيث عقدت اتفاقيات في اعوام 1890م و1898م و1899م في أواخر القرن التاسع عشر بين بريطانيا وفرنسا لتقسيم مناطق النفوذ في منطقة كانت شعوبها مترابطة وتتفاعل في ظل علاقات سياسية مستقرة ، وتجارة مزدهرة ، ونهضة علمية وفكرية ،

تم ضرب الدولة الليبية والاقتصاد الليبي في الأزمة الاقتصادية الشهيرة في عام 1830م  ، وضربت تجارة القوافل بين دول شمال أفريقيا ودول أفريقيا الوسطى ودواخل إفريقيا تمهيدا لسيطرة الشركات الأوروبية الطامعة في نهب ثروات القارة ، تم القضاء على دولة الزبير باشا رحمة التي بسطت نفوذها على منطقة بحر الغزال ودارفور في الفترة ما بين عامي 1867 م و1878م ، كانت دولة مزدهرة هددت مصالح الدول الاستعمارية في السودان خاصة بريطانيا التي كلفت غوردون حكمدار للسودان لكي يقوم بمهمة القضاء على تلك الدولة العربية الوليدة ، كما تم القضاء على دولة رابح فضل الله في تشاد في عام 1900م ،

يقول التاريخ عن دولة رابح فضل الله : ” قامت دولة رابح فضل الله في الربع الأخير من القرن التاسع عشر في عام 1893م في منطقة بحيرة تشاد على أنقاض مملكة كانم _ برنو ومملكة باقرمي الإسلاميتين وبسطت نفوذها على كامل المنطقة الممتدة من بحر الغزال شرقاً إلى بحيرة تشاد غرباً .

رابح فضل الله استولى على أكثر من أربعين إمارة في المنطقة ، في عام 1892م  استولى على مملكة باقرمي ، وفي عام 1893م استولى على مملكة كانم ، أحدث هذا الاجتياح قلقاً لدى القوى الأوروبية التي تتطلع إلى الاستيلاء على مناطق معينة في القارة الأفريقية بما في ذلك منطقة بحيرة تشاد، وفي نهاية الأمر وجد رابح نفسه أمام القوات الفرنسية التي اجتاحت منطقة بحيرة تشاد في أواخر القرن التاسع عشر، وقد أحرزت قواته عدة انتصارات على القوات الغازية، ولكن حسم الصراع في نهاية الأمر لصالح الدولة الاستعمارية واستشهد رابح في شهر أبريل في عام 1900م في منطقة الكسرى بضواحي مدينة أنجامينا عاصمة تشاد الحالية. وهكذا قضى الاستعمار على أول دولة عربية في منطقة بحيرة تشاد ولم يتجاوز عمرها السبعة أعوام ” ،

نحن هنا نسرد بعض وقائع التاريخ ليس عبثا ، وليس من باب الترف الفكري ، إنما لكي تعي شعوبنا اليوم حقيقة المؤامرات التي تحاك في الخفاء ، ويعي المتظاهرون في السودان وفي أي دولة عربية اخرى بأنه هناك موجة استعمارية جديدة تهب رياحها على دول المنطقة ، وأن بقاء الوطن أمنا مستقرا أهم بكثير من رغيف الخبز ، لا يعني ذلك أن يجوع الناس أو يتنازلوا عن حقوقهم ومطالبهم ، لكن من الحكمة أن لا ندمر أوطاننا بأيدينا ، فلن يكون مجديا البكاء على بقايا وطن ، على هذا الجيل من أبناء السودان أن يكون في مستوى التحديات ،

على أبناء السودان أن يوجهوا أنظارهم شرقا إلى دول جوارهم في القرن الإفريقي ، بدأت شعوب دول القرن الإفريقي في طي صفحات الماضي الأليم من الحروب والصراعات والتدخلات الأجنبية ، استثمارات ضخمة ، ومناطق تجارية حرة يتم افتتاحها ، ومصالحات تاريخية بين دول عانت كثيرا من جراء الحروب والأزمات  ،

أليس من الحكمة أن يحافظ الشعب السوداني على ما تبقى من وطن لم تترك له الدول الكبرى المتربصة به فرصة للتقدم والاستقرار واستثمار ثرواته؟. إن انهيار الدولة في السودان زلزال كبير ، وسيفتح الباب أمام انهيار دول أخرى ، وتنفيذ مخططات تقسيم وتجزئة ليس على الخارطة السودانية فحسب ، بل سيتعدى ذلك إلى كل دول المنطقة ، ولعلنا بحاجة إلى أن نتذكر قول المؤرخ البريطاني الشهير ارلوند توينبي : ” إن أكبر اختبار يواجه العرب في أفريقيا هو إمكانية التعايش السلمي بين العرب والأفارقة الزنوج وهو هنا يقصد السودان ، وإذا تحقق التعايش السلمي أمكن للسودان أن يساهم بشكل كبير في حل مشاكل أفريقيا والعرب ، أما إذا فشل التعايش فان السودان سيغرق في خضم مشاكل لا حصر لها وأن الوجود العربي في أفريقيا حينها يصبح مهدداً “،

هذا يؤكد بان ضرب استقرار السودان هو تهديد لثلثي العرب القاطنين في إفريقيا ، أن السودان مستهدف وليس أمام أعداء السودان لتنفيذ اجنداتهم إلا ضرب الجبهة الداخلية للشعب السوداني ، والتماسك المجتمعي بين أبنائه، أولئك المتظاهرون ليس من الصعب على أجهزة المخابرات الأجنبية المعادية أن تدس بينهم المخربين ، والمحرضين على العنف لحرف مسار المظاهرات عن السلمية ، حرق المقرات الحكومية ، وسقوط القتلى ، كل ذلك لن يؤدي إلا إلى مزيد من التصعيد ويصبح السودان على شفير الهاوية ،

المسؤول الأمني الإسرائيلي آفي ديختر وزير الأمن الإسرائيلي قال في محاضرة عن السودان منذ اعوام مضت : ” السودان بموارده ومساحته الشاسعة وعدد سكانه يمكن أن يصبح دولة إقليمية قوية منافسة لمصر والعراق والسعودية،

السودان شكل عمقا إستراتيجيا لمصر وتجلى ذلك بعد حرب 1967 حيث تحول إلى قواعد تدريب وإيواء سلاح الجو المصري وللقوات البرية وأرسل قوات إلى منطقة القناة أثناء حرب الاستنزاف، كان لا بد أن نعمل على إضعاف السودان وانتزاع المبادرة منه لبناء دولة قوية موحدة هذا ضروري لدعم وتقوية الأمن القومي الإسرائيلي، أقدمنا على إنتاج وتصعيد بؤرة دارفور لمنع السودان من إيجاد الوقت لتعظيم قدراته.

إستراتيجيتنا التي ترجمت على أرض الجنوب سابقا وفي غربه حاليا نجحت في تغيير مجرى الأوضاع في السودان نحو التأزم والانقسام، الصراعات الحالية في السودان ستنتهي عاجلا أو آجلا بتقسيمه إلى عدة كيانات ودول وكل الدلائل تشير إلى أن الجنوب في طريقه إلى الانفصال،

هناك قوى دولية بزعامة أميركا مصرة على التدخل في السودان لصالح استقلال الجنوب وكذلك إقليم دارفور كما حصل في إقليم كوسوفو. إن قدرا هاما وكبيرا من أهدافنا في السودان قد تحقق على الأقل في الجنوب وهذه الأهداف تكتسب الآن فرص التحقيق في دارفور ” ،

إذن لسنا مجانبين للصواب حين شعرنا بالقلق من تمدد إسرائيل إلى تشاد ، وإقامة تشاد علاقات سياسية مع إسرائيل ، 25 نوفمبر 2018م تاريخ زيارة إدريس ديبي إلى تل أبيب ،

وفي هذه الأيام من ديسمبر تتفجر الاحتجاجات في السودان ، قد لا نستطيع أن نؤكد بأنه هناك دور لإسرائيل في تفجير الأوضاع في السودان الآن ، إلا أنه من المؤكد بأن إسرائيل لن تكون غائبة عن ما يحدث في السودان واستغلال الفرصة لضرب أمنه واستقراره ،

هنا يجب أن تعي النخبة السودانية كل الحقائق ، خاصة بعض  القوى والأحزاب السياسية التي قد تفكر في استغلال الأوضاع وتدفع أنصارها إلى الشارع لتحقيق مكاسب سياسية ، الخيارات صعبة .

إما أن يكون السودان أو لا يكون ، كل المطالب مشروعة سياسية كانت أم اقتصادية ويمكن البت فيها ، إلا أن الأولوية الآن هي لإنقاذ وطن من الانهيار والتفتت .

 

تعليقات من فيسبوك

Comments

comments

شاهد أيضاً

جوانب خفية في حياة فاتن حمامة ..هربت من مصر خوفاً من عبد الناصر ولم تعُد إلا بعد وفاته؟ 

صوت العرب – كانت مسيرتها المهنية مليئةً بالنجاحات، قدمت سيدة الشاشة العربية الكثير للسينما المصرية …

تابعوا اخر الأخبار على صوت العرب

Translate » ترجم الموقع لأي لغة في العالم
التخطي إلى شريط الأدوات